المُحاسبة في اليمن تتطلّب عمليّة عدالةٍ انتقاليّة شاملة

24/03/2023

سجّلَ اليمن، في شهر شباط/ فبراير الماضي، مرور 12 عامًا على اندلاع ثورة العام 2011 المُناهضة للفساد والفقر والبطالة ولِتمادي الرّئيس علي عبد الله صالح في حكمه الاستبداديّ. آنذاك، تعرَّضَ المتظاهرون السّلميون لقمعٍ وحشيّ، فَأخذ وضع حقوق الإنسان، منذ تلك اللّحظة، يتدهور في البلد تدهورًا سريعًا. وفي العام 2015، انزلق البلد إلى نزاع مسلّح عنيف لا يزال مستمرًّا حتّى اليوم، وأسفر عن أسوأ أزمة إنسانيّة في العالم على الإطلاق.

منذ العام 2016، بدأت اللّجنة الوطنية للتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن توثيق انتهاكات القانون الدّولي لحقوق الإنسان والقانون الدّولي الإنسانيّ المرتكبة منذ العام 2011 كما بدأت التّحقيق فيها على حدّ سواء. فوثّقت اللّجنة، حتّى اليوم، أكثر من 23 ألف اعتداء على حقوق الإنسان ارتكبتها مختلف الأطراف المنخرطة في النّزاع؛ وقد أحالت اللجنةُ أكثر من ألفي حالةٍ إلى المدعي العام من أجل المضيّ بمزيدٍ من التّحقيق فيها ومُلاحقتها قضائيًّا. لكنّ حكمًا لم يصدر بعد في أيّ من الحالات المُحالة تلك.

وكان من شأن النّزاع، وما خلّفه من عدم استقرار وانعدام فعاليّة السّلطة الحكوميّة، أن أمعن في إضعاف النّظام القضائي اليمنيّ الّذي يواجه أعضاؤه تهديدات جمّة. لذا، يُعدّ الإصلاح المؤسّساتيّ الموضوعيّ، الّذي يضمنُ قضاءً أكثر استقلالًا وأوسع فهمًا للعدالة الانتقاليّة، ضرورةً قصوى من أجلِ استعادة ثقة الشّعب في القضاء وفي قدرته على إقامة العدالة.

بغية تقديم المساعدة في مُعالجة هذه المسائل، نظّم المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة حلقة عملٍ حولَ آليات العدالة الانتقاليّة، عُقِدَت خلال شهر كانون الثّاني/ يناير المنصرم، في عمّان، في الأردن، ووجّهَت إلى أعضاء اللّجنة الوطنية للتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، وأعضاء القضاء اليمنيّ، بمَن فيهم المحامي العام الأوّل ورئيس هيئة التفتيش في مجلس القضاء الأعلى وفريق النائب العام المكلّف باستلام الملفّات التي انتهت اللجنة الوطنية من التحقيق فيها. رمَت حلقة العمل إلى تحسين معارف المشاركين بتدابير العدالة الانتقاليّة وصقلِ قدراتهم على تحقيق المحاسبة. وفي معرض حلقة العمل، أكّد المحامي العامّ الأوّل في اليمن، القاضي فوزي علي سيف أنَّ "العدالة الانتقاليّة تهدف إلى استعادة الكرامة الإنسانيّة للضّحايا وتحسّن العلاقات القائمة بين أبناء الشّعب." وأردفَ قائلًا: "العدالة الانتقاليّة ضروريّةٌ في بلدنا من أجلِ إقامة دولة السّلام ومؤسّسات ديمقراطيّة، ومن أجلِ بسطِ سيادة القانون. لكنَّ ذلك يتطلّب التّوعية على العدالة الانتقاليّة وبناء قدرات القضاء الوطنيّ في اليمن."

ففي ظلّ عدم اتّخاذ المجتمع الدّولي أيّ خطوات مجدية للاستجابة للنّزاع اليمنيّ، تكرّرُ منظمات المجتمع المدنيّ المحليّة والدّوليّة، مرارًا، دعوتها إلى اللّجنة الوطنية للتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان – وهي آلية المحاسبة الوحيدة اليوم في اليمن- بأن تزيد عدد الحالات الّتي تُخضعها للتحقيق وبأن تتّخذ تدابير أكثر جرأةً في سبيلِ تحقيق المحاسبة وإنصاف الضّحايا.

وكانت اللّجنة الوطنية للتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، في إطار جهودها الرّامية إلى المضي قدمًا بالمُحاسبة على الاعتداءات على حقوق الإنسان، قد رفعت، في تمّوز/ يوليو من العام 2017، توصيةً إلى مجلس القضاء الأعلى في اليمن تحضّهُ فيها على إنشاء محكمة متخصّصة ومكتب نيابةٍ عامّة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان الّتي ارتكبتها جميع الأطراف المنخرطة في النّزاع المسلّح الدّائر حاليًّا. وقد عقدَ أعضاء اللّجنة، حتّى اليوم، عدّة اجتماعاتٍ مع رئيس مجلس القضاء الأعلى والنّائب العامّ لِلتَداول في شأن الخطوات المطلوبة لإنشاء محكمة متخصّصة كهذه.

وفي هذا الصّدد، شرحَ نائب رئيس اللّجنة الوطنية للتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، القاضي حسين المشدلي، الوضعَ قائلًا: "إنّ أعداد الملفات الطّائلة الّتي تحيلها اللّجنة إلى القضاء، وتعقيدات القضايا الّتي يرفعها الضّحايا لا تقدر على مُعالجتها المؤسّسات والبُنى القائمة حاليًّا كونها تفتقر الإطار القانوني المناسب لانتهاكات حقوق الإنسان في اليمن. لذا، يجب إنشاء محكمة متخصّصة فيها قضاة أكفاء يُدركون خصائص هذه القضايا والاجراءات المطلوبة لمُلاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، ويقدرون على التعامل مع قضايا يتورّط فيها مرتكبون يشغلون مناصب عليا في السّلطة."

وقد ركّزت حلقة العمل، تحديدًا، على الولايات القضائيّة الخاصّة وعلى كيفيّة تحقيقها المحاسبة ضمنَ عمليّة العدالة الانتقاليّة الأشمل. وسعَت حلقة العمل أيضًا إلى تعريف المشاركين بالإجراءات والشّروط الخاصّة المطلوب استيفاؤها من أجل ملاحقة انتهاكات حقوق الإنسان قضائيًّا على نحوٍ ممتثل للمعايير الدّولية.

وأوضحَ الخبير الأقدم للبرامج في المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة، هاورد فارني، أنّ "المُسوّغ المنطقي لإنشاء قدرة متخصّصة يُناط بها التّحقيق والملاحقة في الجرائم الفظيعة هو مَحورة هذه القدرة للجهود الوطنيّة وتكثيفها في كنف جهاز تنظيميّ واحد. وهذا ما من شأنه أن يحسّن أوجه التّنسيق والتعاون بين المحقّقين والمدّعين العامّين، وأن يُيسّر تبادل المعلومات، وأن يعمّم تركيز الانتباه من دون تشتِيته أو حرفِه عن وجهته الأصليّة. ويجب أن تُزوّد هذه الوحدة المتخصّصة بالموارد الكافية وأن يُوظّف فيها محقّقون ومدّعون عامّون يُحسَنُ انتقاؤُهم."

في كولومبيا، بدأت الولاية القضائيّة الخاصة من أجل السّلام عملها في العام 2017، وكانت مهمّتها تقضي بأن تُحقّق في الجرائم الدّوليّة المرتكبة إبّان النّزاع المسلّح الّذي دام 50 عامًا في البلد، وأن تلاحقها قضائيًا وأن تُعاقب عليها. وقد شدّد هذا الجهاز القضائيّ المُستقلّ قانونيّاً وماديّاً، على تدابير العدالة التّصالحيّة إلى جانب تدابير العدالة الجزائيّة التقليديّة. ويُعدّ هذا الجهاز الآليّة القضائية الأُولى في العالم الّتي تفرض أحكامًا غير احتجازيّة على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في مقابل إبداء مرتكبيها التّعاون وإقرارهم بالحقيقة وبالمسؤوليّة، والتزامهم بإنصاف الضّحايا. والمبدأ الجوهريّ الّذي يوجّه هذه الولاية القضائيّة الخاصّة هو مشاركة الضّحايا.

وشدّد رئيس الولاية القضائيّة الخاصّة من أجل السّلام، القاضي روبيرتو فيدال، في مداخلته خلال حلقة العمل على أنه: "يستحيلُ على الولايات القضائيّة أن تُجبر ما لا يمكن جبره بسبب جسامة الضّرر. لكنَّ ضمانَ مشاركة الضّحايا في الولاية القضائيّة الخاصّة من أجل السّلام ساهم في فتح منتديات للنقاش، ومنتديات للحوار، وللاعتراف بالضّحايا ولاحترامهم".

لطالما دعم المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة، على مدى سنوات طوال، الجهود المبذولة في كولومبيا في سبيل إحقاق العدالة لصالح الضّحايا. لكنَّ تحديّات جمّة ظلّت قائمة، حتّى بعد توقيع اتفاق السّلام في العام 2016 وإنشاء آليات المحاسبة المُنبثقة منه. لذا، وجدَت رئيسة برنامج كولومبيا في المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة، الّتي ساهمت أيضًا في تنظيم حلقة العمل، ماريا كاميلا مورينو، أنّ تبادل الخبرات بين الأطراف المعنيّة في اليمن وكولومبيا سيعود بالمنفعة على العمليّات في كلا البلدَيْن. وأوضحت ذلكَ قائلةً: "ذكّرتني النّقاشات الدّائرة خلال حلقة العمل هذه بنقاشاتٍ مماثلة أجريناها في كولومبيا. فصحيحٌ أنّ السياقَيْن الكولومبيّ واليمنيّ مختلفان وأنّ لكلٍّ منهما خصائصه، لكنّهما يتقاسمان عددًا من العناصر المشتركة على غرار تحدّي إحقاق العدالة في خضمّ النّزاع المستمرّ، والعدد الهائل من الضّحايا والانتهاكات المُرتكبة، والعدد الكبير من المرتكبين بالإضافة إلى ضعف قدرات مؤسسات الدّولة على ضمانِ الوصول الفعّال إلى العدالة."

وكما في كولومبيا، كذلكَ في اليمن، ينفي العددُ الهائل من الضّحايا والجرائم إمكانيّةَ التّحقيق في كلّ قضية وملاحقتها قضائيًّا على حدة عبر النّظام القضائي الجنائيّ العاديّ. وفي ظلّ ظروفٍ مماثلة، غالبًا ما تستهدف استراتيجيات الملاحقة القضائيّة الأفراد رفيعي الشّأن الّذين خطّطوا الجرائم ونظّموها وتحمّلوا القدر الأعظم من المسؤوليّة عنها، أكثر من استهدافِها المرتكبين الأقل شأنًا. فعلى سبيل المثال، تبنّت الولاية القضائية الخاصة من أجل السّلام في كولومبيا مُقاربة تُركّز على تحديد الجرائم المُمنهجة، وأسلوب عملها والأشخاص الأكثر تحمّلًا لمسؤوليّة ارتكابها.

بيد أنّ المحكمة المتخصّصة لن تقدرَ، وحدها، على إقامة العدالة الّتي تلبّي كل احتياجات الضّحايا وجبر الضرر. لذا، لا بدّ من أن تشكّل هذه المحكمة جزءًا لا يتجزّأ من عمليّة عدالة انتقاليّة متعدّدة الأوجه تسعى إلى كشف الحقيقة، وحفظ الذّاكرة وإنصاف الضّحايا وإصلاح المؤسّسات. وقد شمل نظام العدالة الانتقاليّة في كولومبيا أيضًا لجنة حقيقة وهيئة إنسانيّة خارج نطاق القضاء أُوكِلَت مهمّة البحث عن المفقودين أو المخفيين قسرًا إبّانَ النّزاع.

يتطلّبُ اليمن عمليّة عدالةٍ انتقاليّة شاملة لا تقتصر على العدالة الجنائيّة. ويجب أن يشملَ هذا النّظام تدابير شتّى، قضائيّة وغير قضائيّة، ترمي إلى توضيح الحقيقة والتّعامل مع أسباب النّزاع الجذريّة، والاعتراف بالضّحايا وبالضّرر الّذي تكبّدوه، وبحقّهم بجبرِه، كما ترمي إلى محاربة الإفلات من العقاب وإلى إعادة بناء المؤسّسات الدّيمقراطيّة الخاضعة للمحاسبة، وإلى نشر التّعايش السّلميّ. عندئذٍ، يُمكن أن تتحقّق العدالة للضحايا وأن يُرسَى السّلام المُستدام.