"وحدها الحقيقة يمكنها شفاء هذا الألم": جزائريات يتحدثن عن رحلة بحثهن عن المختطفين.

9/3/2016

بقلم هبة نجيب

أكثر من عقدين منذ أن بدأت حوالي 40 امرأة التظاهر كل يوم أربعاء أمام اللجنة الرسمية الجزائرية لحقوق الإنسان ضد تقاعس الحكومة فيما يتعلق بالمختطفين. يقفن على الرصيف حاملات صورا لأقربائهن المفقودين- أولادهن وآبائهن وأزواجهن- كاسرين الصمت في وقت عصيب في الجزائر.

حاولت قوات الأمن تفريقهن، اتهمهم المارة الغاضبون بالانتماء لجماعات إرهابية، ونصحهم البعض بالمضي قدماً والنسيان، لكنهن ظللن العودة كل يوم أربعاء، لا يتراخين عن طلب الحقيقة.

في عام 1991 وبعد أن أُلغيت نتائج الانتخابات التي كان من شأنها أن تحضر الحزب الإسلامي إلى السلطة، انزلقت الجزائر في حرب أهلية عرفت باسم العشرية السوداء استمرت عقد التسعينات. وحصد العنف ما لا يقل عن 150000 قتيلاً و7200 مفقوداً.

بعد الصراع، أصدرت الحكومة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في عام 2005 لتوفير العفو لقوات الأمن التابعة للدولة عن الانتهاكات السابقة ومنح بعض التعويضات لأسر المفقودين.

ولكن الحكومة رفضت كشف الحقيقة عما قد جرى لهؤلاء المفقودين. كما طالبت الحكومة العائلات بالتوقيع بإغلاق الملفات رسمياً كشرط لاستلام التعويضات، الأمر الذي رفضه كثير من هذه العائلات. استمرت النساء في تظاهرهن الأسبوعي وانضم إليهن أفراد آخرين من العائلة، انضم الآباء والأخوات والأحفاد ، وكذلك جيل جديد ورث القضية.

" لقد أرادت الحكومة أن تغلق الملف ’بقانون المصالحة‘ "، تقول نصيرة ديتور التي أنشأت جمعية أس أو أس مفقودون، وهي جمعية أهلية تعمل على الدفاع عن حقوق عائلات المفقودين. وتضيف نصيرة:" لقد بقينا ثابتين، مبقيين على القضية حية."

للنساء في الجزائر تاريخ خاص من المقاومة والنضال، فقد لعبن دورا محورياً في حرب الاستقلال من فرنسا. ومع ذلك، وبعد أن حصلت الجزائر على استقلالها في عام 1962، غابت النساء تدريجياً من الفضاء العام. من خلال هذه الاحتجاجات على الإخفاء القسري والمطالبة بتحرك، استرجعت النساء بعضاً من المجال العام، وتشارك الكثيرا منهن تجربة الخروج من البيت لمواجهة مؤسسات الدولة.

كجزء من سلسلة عن تطورات العدالة الانتقالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينظر المركز الدولي للعدالة الانتقالية للوضع في الجزائر. هذه القصص حول نساء جزائريات فقدن أقاربهن للإخفاء القسري هي مثال آخر على كيفية تمسك عائلات الضحايا بمسارات شاقة إلى العدالة ضد الصعاب.

بلغة عربية تخللها الفرنسية بين كلمة وأخرى، روت لي هاته النساء قصص أفراد الأسرة الذين اختطفوا، ليبدأ فصلاً جديداُ في حياتهن. يتشبثون بأمل هش أن أحبائهن لا يزالون على قيد الحياة بعد كل تلك السنوات. عرفن أنفسهم إلي كوالدة حكيم أو كزوجة عيسي أو كأخت مراد. تبدو ذواتهن وقد علقت في ذوات أولئك المفقودين .

ولكن القصة عنهن مثلما هي عن أولئك الأحبة المفقودين. تضمن القصة آلامهن ومقاومتهن وكذلك حياتهن التي عُطلت وجملهن الغير منتهية. هذه الشهادات هي تذكير أن مثل تلك الانتهاكات لا تندمل مع الزمن ولا تسقط بالتقادم

جقجيقة شرقيت: "من حقى أن أعرف"

    أنا أم حكيم شرقيت. جاءوا إلى المنزل الساعة الواحدة ليلاً. كانوا رجال شرطة مصحوبين برجال عسكرين. كان ذلك في عام 1993، وكان عنده 27 عاماً فقط. كنت أحضر لحفل زفافه على خطبيته، ولكنه تبخر. لم يكن ناشطاً بالسياسة. خرجت أبحث عن ولدي. والده لم يفعل شيئاًن ولكن أنا لم أستطع فعل المثل، كان على أن أخرج وأبحث عنه. كان على أن أتحمل المسؤولية. كان عمري وقتها 54 عاماً، وكان لدي خمسة أبناء منعتهم من أن يشاركوني البحث خوفاُ عليهم.

أريد أن يعود ولدي إلي. لم يقدموه للعدالة ولم تكن هناك محاكمة. عندما أتوا للمنزل قالوا أنهم يريدون استجوابه ثم يفرجون عنه. انتظرت وانتظرت... ثم خرجت من المنزل أبحث عنه في أقسام الشرطة.
في 1998 انضممت للجمعية [أس أو أس مفقودون]، كي لا أشعر أني وحيدة. احتج كل يوم أربعاء معهم منذ ذلك الحين. من حقي أن أعرف ما فعلوه بولدي.


لم أقبل التعويضات من الحكومة. لا أستطيع تعويض ولدي بالمال. اتصلوا بي وحاولوا إقناعي بأخذ المال ولكني أخبرتهم أن كل ما أريده هو الحقيقة حول ابني: إن كان حياً أطلقوه وإن كان ميتاً أعطوني عظامه. لقد دفنت اثنين من أبنائي، كان أحدهم عمره خمس سنوات والآخر سنتين. عندي سلام تجاه ذلك فأنا أعرف مكان قبورهم. لحد الآن ترفض الحكومة إعطائي شهادة بأن ابني مفقود.

أنا أومن أنه لا يزال حياً. أحياناً أبحث عن وجهه بين الجموع. أنا أنتظر لكني لست صغيرة. لقد كبرت وأنا أنتظر. لم يختطف الإرهابيون ولدي، بل اختطفته الحكومة. لقد رأيتهم بعيني، لقد كانوا في بيتي. إلى أن أموت لن أسمح بهذه القصة بأن الإرهابين اختطفوا ولدي. يجب عليهم أن يخبروني الحقيقة.

لقد أصبحت مريضة ولكن لا يمكنني التوقف عن البحث. كل صباح أخبر نفسي أن على أن أخرج وأبحث عنه. مر 23 عاماً. إنها قصة طويلة حزينة. ولدى الكبير عمره 60 عاماً. تزوجت وأنا عمري 16. أعطيت شبابي لهذا البلد وحاربت من أجل التحرير وخاطرت بحياتي ثم أخذت ولدي مني. كانت الضربة التي قصمت ظهري. أنا نادمة أني نضالت من أجلها. ماذا أخذتُ من الجزائر؟ لقد خطفت ولدي.

فاطمة رقية لكحل: "لم يكن لدي سوى دموعي"

أنا زوجة عيسى لكحل. اختطف في 1996 عندما خرج في الصباح ولم يعد ثانية. أخبرني الجيران أن البوليس أخذه في غارة للشرطة على الحي. انتظرت يومين ثم ذهبت لمركز الشرطة أبحث عنه. تركت بناتي الثلاث عند أمي. كان عمر الكبيرة 6 سنوات والصغيرة عاماً.

البنات لا يزلن ينتظرن أباهن. لا يأتين معي ليوم الأربعاء لأن لديهم ذكريات موجعة عنه فقد كنت آخذهن معي إلى الاجتماعات عندما كن صغيرات. كان مؤلماً أن يسمعن عن والدهن ثم يذهبن إلى البيت بدونه. ابنتي الوسطى متزوجة الآن وزوجها يسألني كل يوم أربعاء عن التطورات.

كان عمر زوجي 44 عندما خطفوه وكان عمري 39. قبل الحادثة كنت ربة منزل أعمل كخياطة من البيت. مرضت بعدما أخذوه ولم أعد قادرة على العمل. تحمل أبي وإخوتي الكبار العبء المادي. كان من الصعب جداً علي أن أسألهم المساعدة وأن أخبرهم ما أحتاج للبيت وللبنات. سَبّب هذا الكثير من الألم لي. كانت الأمور أسهل عندما كانت البنات صغيرات، ولكن عندما كبرن تعقدت الأمور. لم تكن الكلمات لتعبر عن ألمي.
   



لم يكن لدي سوى دموعي. هو كان رب البيت ويحمل كل المسؤولية ثم فجأة اختفى وأصبحت وحدي مع ثلاث فتيات صغار. ماذا يمكن أن أفعل؟ أين أذهب؟

تتصل بي عائلة زوجي من وقت لآخر لتسألني عما إذا كان هناك أخبار لكنهم لم يساعدوني في البحث عنه. أحتاج أن أعرف إلى أين أخذته الشرطة. في كل حديث مع الحكومة أسأل فقط عن الحقيقة. نحن نحتاج أن نعرف ماذا حدث للمفقودين لأنهم بشر. لكني دائماً أتلقى نفس الإجابة وهي تجاهل طلبي. منذ عام ونصف بدأت في إرسال رسائل للمسؤولين ولكن لم أتلق أي رد إلى الآن.

قانون المصالحة لم يكن من أجلنا، بل من أجل مصلحتهم هم. ليس من الممكن أن يكون هناك مصالحة بدون حقيقة. ليس هناك عدالة في الجزائر. في بعض البلدان العربية تم إطلاق سراح بعض المختطفين ولكن في الجزائر لم يظهر أحد.

أحاول ألا أتحدث عن ذكرياتي معه. لقد تعبت من البكاء. أعتقد أنه سيعود في أي لحظة. الله وحده يعلم لكن هذا ما أشعره. أنا شخص صبور ولكن الماضي مؤلم جداً. لقد وجدت أبي وإخوتي بجانبي، بعض الزوجات لم يكن لديها أحد. لقد كبر بناتي وحدهن. قصته ليست حاضرة في ذهنهن كما هي حاضرة في ذهني.

وحدها الحقيقة التامة يمكن أن تشفي هذا الألم، وليس حقيقة جزئية. عيسى كان زوجي. لدي صورة له معلقة في البيت أراها صباحا ومساءا. معلقة في غرفتي. أحياناً أتخيل أني أتحدث معه.

نادية بن الجاعل "كتمت السر سنتين، عذبني ذلك كثيرا"

    أنا أخت مراد بن الجاعل. اعتقل مراد مرتين، مرة في 1992 ومرة أخرى في 1993 بتهمة التظاهر والإخلال بالنظام العام. أخذ براءة تامة في المرتين. في 4 مايو 1994 غادر المنزل حوالي الساعة 6 مساءا. كان يوم أربعاء. ولم يعد ثانية. يوم السبت أتت الشرطة لتفتيش البيت وأخذوا اثنين آخرين من إخوتي. أحدهم أتم 45 يوماً في السجن وحُكم على الثاني بخمس سنوات.

خرجت أمي للبحث عن مراد. أخبرها البوليس أن مراد قتُل في منزل أصحابه عندما حاولوا الفرار في غارة للشرطة على المنزل. عندما أخبرت أمي أخي الأصغر الذي يقضي عقوبة خمس سنوات بما حدث، قال لها: "لا يا أمي، لقد رأيت مراد حياً هنا في السجن في 12 يونيو." لما عادت أمي إلى مركز الشرطة قالوا لها أن عليها تختار بين تصديقهم أو تصديق ابنها المسجون. أجابتهم أمي: "أنا أصدق ابني. إن كان رآه، فقد كان مراد حيا ذلك اليوم." لاحقاً أخبرنا أيضاً أحد أصدقاء مراد أنه رآه في السجن في يونيو، ولكن هذا الصديق ميت الآن ولا نستطيع طلب شهادته.


خرجت أمي للبحث عن مراد ولكنها لم تسمح لنا بأن نشارك خوفا علينا. كانت تقول لي: "عندما أكبر وأعجز عن الخروج، يمكنك تولي الأمر." وهذا ما حدث في 2009 وها أنا هنا الآن. أذهب إلى كل مظاهرة أربعاء من ذلك الوقت.أنا الابنة الكبرى. لم أتزوج ولدي الوقت.

في 2013 ذهبت مع عائلات المفقودين إلى مقبرة العليا. لم أخبر المسؤولة أن أخي مفقود وقلت لها فقط أن أخي توفي في 1994 وأنا لا أعلم أين دفن. عندما بحثت عن الاسم وجدته ومسجل بجانبه يوم الوفاة 12 أغسطس 1994. ولكن قبره لم يكن عليه اسم.

لمحتُ اسم المستشفى في الملف وذهبت هناك ولكني لم أستطيع الوصول إلى شئ فذهبت إلى البلدية. وهناك وجدت شهادة وفاة تحمل معلومات صحيحة عن مراد لكن الشخص الذي وقع الشهادة لم أعرفه أو أسمع عنه. هنا في الجزائر عندما يتوفي الشخص طبيعيا لابد أن يوقع أحد أفراد العائلة شهادة الوفاة. سجلتُ عنوان الشخص وذهبت لرؤيته. قال لي أنه كان يعمل بالمستشفى وأنه طُلب منه أن يوقع شهادة الوفاة عندما تحضر جثة تعرضت لإطلاق نار من قبل الشرطة.

بمساعدة الجمعية قدمت للشرطة بطلب استخراج الجثة. أردت أن أتأكد أنه مراد. رفضت الشرطة طلبي. في العام الماضي جاءنا استدعاء من الشرطة للحضور وخفت أن تسمع أمي الأخبار عن مراد من شخص غيري فأخبرتها عن القبر في مقبرة العليا. قلتُ لها: " سامحيني. لم أرد أن أخبرك حتى أتأكد." كتمت السر مدة سنتين. عذبني ذلك كثيرا. كنت أختبئ كي أبكي. كيف تخبرُ أماً أن ولدها ميت؟

في مركز الشرطة قالوا لنا أن أخي قُتل بواسطة جماعة إرهابية في 2006. كم مرة مات أخي؟ أتذكر عندما كنا نتخاصم كان يغادر المنزل ثم يعود بهدية صغيرة ليصالحني. كيف يمكن أن أنسى أخا مثل هذا؟ كان عمره 26 عندما أخذوه وكان عمري 30.

نصيرة ديتور: "هو من يمنحني القوة"

اختفى ابني أمين في 1997 ومنذ ذلك وأنا أعمل على قضية المختطفين. أسست الجمعية في فرنسا في 1998 وفي الجزائر 1999. أردتُ أن يعمل المكتب في فرنسا على الحالات باستخدام القانون الدولي والمكتب في الجزائر على تنظيم العائلات وجمع الملفات وتقديم الشكاوى إلى وزارة العدل.

لما اختفى أمين كنتُ في فرنسا وكان هو يعيش مع أمي. كنت قد انتقلت للعيش في فرنسا عندما حصلت على الطلاق ولم يسمح القانون أن آخذ أولادي معي، فبقوا عند أمي.

عندما اتصلوا بي وأخبروني أن ابني أمين لم يعد منذ يومين حجزت تذكرة طيران إلى الجزائر. تصورتُ أن البوليس اعتقله لكني لم أتصور أنه اختطف.
   


ظننتُ عندما أصل إلى الجزائر سأجده قد أطلق سراحه لأنه م يكن مهتماً بالسياسة ولم ينتمي لأي جماعة إسلامية. اعتقدتُ أنهم اعتقلوه بالخطأ وأنهم سيتركونه بعد بضعة أسئلة. لقد كنت مخطئة.

أمي وأخي سجلوا اختفاء أمين عند مركز الشرطة. عندما وصلتُ إلى الجزائر ذهبت إلى الشرطة التي قالت أنه ليس لها دخل فيما حدث، ولكن كان من الصعب أن أقنع نفسي بتصديقهم. كان لأخوتي بعض العلاقات مع ضباط في الجيش. قالوا لي أن أمين سيعود بعد العيد الكبير. انتظرتُ لكنه لم يعد أبدا. استطعنا التوصل إلى معلومات أن أمين كان في السجن لمدة
شهرين ثم فقدتُ أثره بعد ذلك. قضيت ستة أشهر أبحث عنه كل يوم. سقطت مريضة ولم أستطع تحمل الوضع أكثر من ذلك فغادرت الجزائر.

عندما عدتُ إلى فرنسا أصبت بانهيار عصبي ووصف لي الأطباء أدوية. ومرت الأيام، وفي يوم ..حلمتُ به يناديني: أمي أمي. قمتُ منتفضة، رميت الأدوية وخرجت للبحث عنه. ذهبت للأمم المتحدة. لم تكن لدي معرفة مسبقة بالقانون الدولي فقط كنت أعلم عن الأمم المتحدة. أرسلت إليهم رسالة وبعد شهرين تلقيت رداً أن رسالتي قد أحيلت إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري، فذهبت إليهم والتقيت معهم.

تحدثت مع العفو الدولية في باريس ولندن وعلمتُ منهم أن هناك كثيرا من الحالات مثلي في الجزائر. كنت أعلم عن الإخفاء القسري لكنني لم أعرف أنه بهذا الحجم. أخذتُ عناوين أسر المفقودين الذين يعيشون في باريس وجمعتهم في نوفمبر 1997. كنا حوالي 10 أو 11 شخصاً. أخبرتهم أن يملؤا الاستمارة ويرسلوها لفريق الأمم المتحدة. طرقت القانون الدولي لأني كنت أبحث عن بعض الحقيقة. لدينا الآن 3000 ملفا مسجلا لديهم.

أمين هو من يمنحني القوة. إنه يدعمني. أتذكر آخر مكالمة هاتفية معه. كان ذلك بعد رفض تأشيرة قدومه إلى فرنسا للمرة الثالثة. قال لي ألا أقلق ، وقال أنه سوف يعمل للحصول على رخصة ليكون سائق تاكسي. كان ذلك في يناير. وكانت آخر مرة سمعت صوته.

إن كان ميتاً، أريد أن أعرف كيف ولماذا وما كانت تهمته. كان عمري 23 عندما حصلت على الطلاق. لم أطلب أو أتلقى المساعدة من أحد. عملت بجد لأجل أطفالي ولأجل توفير الدعم لهم، ثم بعد 20 عاما يأتوا ويأخذوه هكذا؟


جميع الصور محفوظة لجمعية أس أو أس مفقودون.