بذور العدالة: سيراليون

16/7/2013

هذا العام في فريتاون، محكمةٌ فريدة من نوعها سوف تُقفل أبوابها.

شارفت ولاية المحكمة الخاصة بسيراليون، وهي محكمة مختلطة أُنشئت بالاشتراك بين الأمم المتحدة وحكومة سيراليون، على الانتهاء. وتتمثل هذه الولاية في محاكمة الجناة الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الجرائم المرتكبة إبان الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد وتعرّض فيها عشرات الآلاف من الناس للقتل والاغتصاب والتمثيل، كما أدت لتشريد مئات الآلاف من الناس من ديارهم.

يتناول المركز الدولي للعدالة الانتقالية في يوم العدالة الجنائية الدولية الذي يوافق 17 يوليو/تموز إرث المحكمة الخاصة بسيراليون من خلال أصوات مواطني سيراليون الذين كان عمل المحكمة بالنسبة لهم أهمَّ ما يكون.

يعرض مشروعنا المتعدد الوسائط الجديد “"بذور العدالة: سيراليون" صوراً لخمسةٍ من أبناء سيراليون ممَّن تأثرت حياتهم بالمحكمة الخاصة بسيراليون.

كنا نريد أن نعرف: ما الذي فعلته المحكمة لبلدهم؟ وما الذي ستتركه وراءها بعد أن تُقفل أبوابها؟ وكيف أثرت المحاكمات في حياتهم؟

تساعد مجموعة الصور الحميمة والرقيقة هذه التي التقتطها عدسة المصورة الحائزة على جوائز غلين غوردون في سرد قصص الحياة اليومية في سيراليون بعد ما يزيد على عقدٍ من الزمن على انتهاء النزاع. يتحدث هؤلاء الأفراد بألسنتهم عن حالة عدم اليقين المرعبة التي اعترتهم حين اضطروا إلى الفرار من ديارهم، وغصة القلب وحرقته على فقْد الأحباب والأقارب، وآلام العائلات التي مزقتها فوضى الحرب.

هي قصصٌ تحكي انتصارات شخصية، وهي شهادةٌ على الانتعاش البطيء والمطرد بعد انتهاء النزاع في المجتمعات المحلية في سيراليون - فتحُ المحلات أبوابَها عند الفجر، اقتلاع الأعشاب الضارة من الحدائق، التوجه إلى صناديق الاقتراع – وفي هذه القصص كلِّها تكمن الثقةُ في عودة سيادة القانون إلى بلادهم.

يدرك أبناء سيراليون هؤلاء حجم العمل الذي ما زال يتعين القيام به، وكلُّ واحدٍ منهم منخرطٌ بجدٍ وبطريقته الخاصة في تحسين حياة مجتمعاتهم المحلية.

أصوات "بذور العدالة"


    أميناتا سيساي صاحبة أعمال تمتلك متجراً في إحدى الساحات الأكثر اكتظاظاً في فريتاون. "بدون عدالة، لا يهم ما هي التنمية التي يجري تحقيقها الآن، بدون عدالة لا يوجد سلام." ‪

    محمد باه كان طالباً على مقاعد الدراسة عندما اندلعت الحرب في سيراليون، وألقى المتمردون القبض عليه وأجبروه على القتال مع أطفال مجندين آخرين. ولكنه تمكَّن من الهرب بشق الأنفس وكلَّفه ذلك ذراعه، وهو الآن يدافع عن غيره من ذوي الإعاقة، ويقول "نحن نريد أن يبقى تشارلز تايلور في السجن... إذا تحققت العدالة، أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام بالنسبة لنا."

    كلير كارلتون- هانكيليس هي محامية الدفاع الرئيسية في المحكمة الخاصة بسيراليون. أثناء الحرب اضطرت الى الهرب من سيراليون. وهي اليوم تحمي حقوق إجراءات التقاضي السليمة للمتهمين. "رأيت سيادة القانون تنقلب رأساً على عقب."

    برينسيس أ. د. روجرز ناشطةٌ في الدفاع عن حقوق المرأة في كينيما. "ما زالت النساء يتعرضن لانتهاكات، ويتعرضن للضرب، كما تتعرض بعض النساء للقتل على يد الزوج أو الحبيب، وما زالت البنات يتعرضن للاغتصاب، وذلك لأن مرتكبي الجرائم ظلوا أحراراً طلقاء."

    الزعيم كاسانغا الثانيهو زعيم تقليدي في ماكيني، ثاني أكبر بلدة في سيراليون . تلجأ إليه جماعته يومياً للنصح والإرشاد. "الآن ساد بيننا اعتقاد بأنه مهما كنت ومهما كان المنصب الذي تحتله ومهما كان نوع المال والثروة التي تمتلكها، فإن المحكمة ستظل فوقك."


نظرة إلى إرث المحكمة الخاصة بسيراليون

“بذور العدالة: سيراليون" هو جزءٌ من مشروعٍ ينفذه المركز الدولي للعدالة الانتقالية جَمعَ على مدار العام الماضي بين أبناء سيراليون والمجتمع الدولي لمناقشة عمل المحكمة الخاصة بسيراليون (SCSL).

طرح مشروع "استكشاف إرث المحكمة الخاصة بسيراليون" الأسئلة الصعبة بشأن هذه المحكمة: كيف ينبغي لنا أن ندرك أثر إنجازاتها، والدروس المستفادة من نضالاتها وأوجه قصورهها، ودورها في إطار الجهود الأشمل الساعية لتعزيز المحاسبة على الجرائم الخطيرة؟

وللمساعدة في الحفاظ على تاريخ المحكمة الخاصة بسيراليون، وضعنا جدولاً زمنياً تفاعلياً يحتوي على المحطات البارزة في حياة المحكمة التي استمرت أحد عشر عاماً. . وبالإضافة إلى ذلك، أجرينا سلسلةً من المقابلات بصيغة بودكاست مع خبراء في شؤون المحكمة الخاصة، بمن فيهم سفير سيراليون أليو إبراهيم كانو وسفير الولايات المتحدة الأميريية المتجول للعدالة الجنائية العالمية ستيفن جيه. راب والعاملة في مجال العدالة الدولية أليسون سميث.

"إذا تحققت العدالة، أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام بالنسبة لنا." - محمد باه، جندي طفل سابق
    وتتويجاً للمشروع، شَرعنا في النظر إلى إرث المحكمة بعيون أشخاص نجوا من النزاع في سيراليون: ناشطة في مجال حقوق المرأة، ومحام، وزعيم تقليدي، وسيدة أعمال، ومدافع عن ذوي الإعاقة هو نفسه من مبتوري الأطراف.

إنشاء المحكمة الخاصة بسيراليون

بعد عشر سنوات على اندلاع حربٍ أهلية ضروس، تعرَّض فيها عشرات الآلاف من الناس للقتل والاغتصاب والتمثيل، كما أدت إلى تشريد مئات الآلاف من الناس من ديارهم، تضافرت حكومة سيراليون في عام 2002 مع الأمم المتحدة لإنشاء المحكمة الخاصة بسيراليون لمحاكمة هؤلاء الأكثر تحملاً للمسؤولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وفي 12 يونيو/حزيران 2000، بعث رئيس سيراليون الحاج أحمد تيجان كبه رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان طالباً المساعدة في إنشاء محكمةٍ ذات مصداقية لمحاكمة مرتكبي الجرائم إبان الحرب الأهلية.

صُمِّمت المحكمة الخاصة من أجل التحقيق ومحاكمة أولئك الذين يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عن "الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وقوانين سيراليون" المرتكبة على أراضي سيراليون بعد 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1996.

وعلى مدى عشر سنوات، وجَّهت المحكمة الخاصة بسيراليون – وهي أول محكمةٍ "مختلطة" تضم موظفين دوليين ووطنيين – تهماً لثلاثة عشر شخصاً، من بينهم الرئيس الليبري السابق تشارلز تايلور، وهو أول رئيس أفريقي يواجه وهو على رأس منصبه تهماً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.    
يتناول المركز الدولي للعدالة الانتقالية في يوم العدالة الجنائية الدولية الذي يوافق 17 يوليو/تموز إرث المحكمة الخاصة بسيراليون من خلال أصوات مواطني سيراليون الذين كان عمل المحكمة بالنسبة لهم أهمَّ ما يكون.

وفي أبريل/نيسان 2012، دانت الدائرة الابتدائية تايلور في 11 تهمة بالتخطيط والمساعدة والتحريض على الجرائم التي ارتكبتها قوات المتمردين في سيراليون - وحكمت عليه بالسجن مدة 50 عاماً. وقضيته الآن قيد الاستئناف.

حققت المحكمة الخاصة قدراً من العدالة للضحايا، ويحمل معظم أبناء سيراليون رأياً إيجابياً إزاء المحكمة، وفقاً لدراسات استقصائية. وقد وفرت محاكماتها فرصةً للمواطنين لمعرفة حقيقة ما جرى إبان النزاع، وكانت قاعاتها بمثابة ملتقى قانوني لمئات الضحايا ليتقدموا ويسردوا قصصهم.

ومع ذلك، يؤخَذ على المحكمة أنها حاكمت عدداً قليلاً نسبياً من الجناة ولم توفر جبر الضرر للضحايا وأسرهم، الذين لا يزال الكثير منهم يعانون من الآثار الوخيمة للنزاع.

"فرح الكثيرون منا عندما صدر الحكم في لاهاي [بحق تشارلز تايلور]. ولكن لا يزال هناك الكثير ممّا يتعين القيام به لتلبية احتياجات الأشخاص الذين بُترت أطرافهم إبان الحرب،" يقول محمد باه.

وفي يوم العدالة الجنائية الدولية ، يُعرب المركز الدولي للعدالة الانتقالية عن تقديره للمساهمات التي قدمتها المحكمة الخاصة لعملية انتقال سيراليون من مرحلة النزاع، وللمشروع الأشمل المتمثل في تحقيق العدالة الدولية.