لن تُسكَت أصواتنا: نضال النساء من أجل العدالة في تونس

26/6/2016

بقلم سلوى القنطري، مديرة مكتب المركز الدولي للعدالة الانتقالية بتونس.

بعد ثورة عام 2011، بدأت تونس عملية للتعامل مع عقود من القمع والانتهاكات يتردد صدى عواقبها اليوم. خبرات ووجهات نظر النساء ملحة لأن تُحدث هذه العملية حقا التغيير الاجتماعي في البلد. ومع ذلك، فإن تبادل قصصهن علنا لم يكن سهلا. لفترة طويلة كانت أصوات النساء تواجه خطر الضياع.

وبينما سعت الحكومة إلى إثبات الحقيقة حول الماضي في البلد، فإن النساء في تونس لم تشعر بالراحة لمناقشة الانتهاكات التي تعرضن لها. أنشأت هيئة الحقيقة والكرامة، الهيئة الحكومية التي استُحدثت في عام 2014 لمعالجة الانتهاكات منذ عام 1955، لجنةً للمرأة وأوجدت مكانة هامة للنساء في تصرفاتها. ولكنها لا تزال تكافح لتمثيل الأصوات بالتساوي: مثل الرجال 95٪ من جملة الشكاوي مؤخرا في 2015.

وإدراكا لهذا الخلل، تجمعت مجموعة من أحد عشرة منظمة نسائية لإنشاء شبكة "العدالة الانتقالية للنساء أيضا" لضمان الاستماع لشهادات النساء. ساعد المركز الدولي للعدالة الانتقالية في إنشاء الشبكة ونسق جهودها، وعلى مدى العامين الماضيين عمل مع أعضائها على ما رأينه التحديات الرئيسية التي تواجهها النساء في تونس ولفتن النظر لتجاربهن تحت الدكتاتورية. توج هذا العمل يوم 16 مايو عام 2016، عندما قدمت الشبكة ما مجموعه 140 شهادة للهيئة وهي المرة الأولى التي تقدم فيها مجموعة مناصرة للمرأة ملفا جماعيا للهيئة.

التقديم التاريخي للشبكة كان مدعوما من خلال جهود شعبية. وإلى جانب تسليط الضوء على دور النساء وما مررن به خلال التاريخ المظلم من الدكتاتورية، قدمت الشبكة مقترحات عملية لخلق بيئة يمكن للجميع فيها أن يشعر بالارتياح في الإدلاء بالشهادة أمام الهيئة، وبالتالي كفالة تضمين تجاربهن. وشملت هذه التدابير الوعود بالسرية وإنشاء مواقع لجمع الشهادات قريبة من منازل النساء. وعلاوة على ذلك، سعت الشبكة لكشف الانتهاكات المختلفة ضد النساء، بما في ذلك العنف الجنسي وانتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

عمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في شراكة مع هذه المجموعات، مناقشاً هيئة الحقيقة والكرامة وعملها مع النساء. وأبرزت هذه المناقشات الحواجز التي تحول دون مشاركتهن في العملية والدور الذي يمكن أن تلعبه جمعيات المرأة لزيادة تمثيلهن . وفي سياق هذا العمل، حدد المركز الدولي للعدالة الانتقالية عدة عوامل منتشرة أدت إلى تهميش الضحايا من الإناث في تونس خلال الفترة الأولى من عمل الهيئة. وشملت تلك العوامل: الخوف من الوصم الاجتماعي؛ الارتباك حول دور الهيئة ووعودها بالسرية؛ تأثير وسائل الإعلام السلبية. وكانت النساء أيضا غير مدركات لوضعهن كضحايا غير مباشرات، وغالبا لم يرين معاناتهن انتهاكا إلا إن شملت التعذيب الجسدي أو السجن السياسي.

مع هذه العوامل في الاعتبار، بلغ المركز الدولي للعدالة الانتقالية، مع الشبكة، حوالي 300 ضحية في 9 مناطق مختلفة من تونس. ركزت جهود التوعية على تبيين النساء في المناطق الريفية والمهمشة بالأثر المحتمل لشهاداتهن. تقديم الملف كان أكثر من مجرد إخبار قصصهن: كانت شهادتهن فرصة للأمة لفهم ما حدث ولماذا حدث وكيفية التصرف لتجنب تكراره، ومن ثم حماية الأجيال القادمة من النساء والفتيات التونسيات.

كذا ركزت المناقشات على التفاوت الملحوظ بين ما تقدمه الدولة - والتي تعتبر رائدة في المنطقة في مجال حقوق المرأة على أساس قوانينها - رسميا للمرأة التونسية والواقع العكسي بانتهاكاتها. كانت النساء المحجبات من أكثر المجموعات التي استُهدفت من قبل الدكتاتورية، واللاتي نُظر إليهن كمعارضات سياسيات للحكومة العلمانية لمجرد ارتداء الحجاب، وعوملن كمواطنات طبقة ثانية بسببه.

ولعل لا انتهاك يوضح هذا أفضل من منشور 108، الذي استهدف النساء المحجبات، وأدى إلى فقدهن للفرص التعليمية والمهنية. ففي سبتمبر من عام 1981، سن نظام الحبيب بورقيبة تعميما هدف شكليا تنظيم سير العمل الداخلي في الإدارات العامة. ولكن كان هذا التعميم خاص جدا حيث حضر حصول من يرتدي "اللباس الطائفي" (في إشارة إلى غطاء الرأس، والمعروف باسم الحجاب) على الخدمات الحكومية. كان القمع في ذروته في ظل نظام بن علي (1987-2011).

التطبيق المنهجي لهذا المنشور منذ عام 1981 ألحق الضرر بنساء من مختلف الخلفيات الاجتماعية والمهنية والتعليمية والعمرية. وبينما يُختزل المنشور في كثير من الأحيان في الإسلام السياسي مقابل العلمانية، فإن أجيالا من النساء والفتيات التونسيات اللاتي لم يكن لديهن علاقة أو حتى اهتمام بأي نوع من الأيديولوجية السياسية، كن ضحايا الفرص الضائعة فيما يتعلق بالحصول على مختلف الحقوق الأساسية فقط لأنهن اخترن ارتداء الحجاب.

وقعت هذه الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع انتشار العنف الجنسي ضد النساء التونسيات. ومع ذلك، فإن قلةً مشاركة ًفي الشبكة كن على استعداد للشهادة بتجاربهن مع العنف الجنسي، ولهذا ركزت الشبكة على أثر منشور 108 كوسيلة لإعطاء النساء صوتاً في العملية الانتقالية. أصبح من الواضح أن الشهادات ضد منشور 108 يمكن أن يكون أداة قوية في تسليط الضوء على معاناة النساء.

عقدت الشبكة أربعة اجتماعات تحضيرية في تونس وصفاقس ومـنسـتير، وذلك لمناقشة مضمون الشهادات والملفات التي سيتم تقديمها والأعمال ذات الصلة. وبعد هذه الاجتماعات اختارت الشبكة 140 ملفا وثق العواقب طويلة الأجل التي عانتها النساء نتيجة منشور 108. وأبرزت عملية الاختيار الرابط بين المنشور والانتهاك نفسه، وكيف ساهم هذا الانتهاك إلى الحرمان من الحقوق الاجتماعية الاقتصادية الأساسية مثل العمل والتعليم.

إلى جانب تقديم شهاداتهن، طالبت النساء اللاتي قدمن الملف بالغاء الأمر الإداري التمييزي الذي صدر في عام 1981، والذي لا يزال قائما. كما طالبن أيضا بالتعويض المناسب، بما في ذلك اعتذار الدولة وجلسة استماع علنية في الهيئة وتعويض مادي ومعنوي.

ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار في هذا النوع من التقديم الجماعي هو ضرورة النظر إلى أبعد من تفسيرٍ ضيق يضع الإسلام السياسي مقابل العلمانية، ورؤية قضية حقوق الإنسان في صميمها. في بلد يمهد الطريق لمؤسساته لأن تكون ديمقراطية، من الضروري احترام حقوق جميع المواطنات التونسيات النساء -سواء كن محجبات أم لا. فكما كان يجب ألا تخضع النساء المحجبات لأي تمييز بموجب منشور 108، كذلك يجب حماية النساء غير المحجبات ضد أي تمييز في المستقبل بسبب خياراتهن. يجب علينا اتخاذ خطوات لضمان تلك الحقوق.

اختارت تونس بشجاعة الكشف عن الحقيقة حول إرثها من انتهاكات حقوق الإنسان من خلال الهيئة ، وما برحت النساء أحد أصلب القوى التي تدفعُ من أجل العدالة والحقيقة وجبر الضرر منذ ثورة عام 2011. وفي حين أن العمل الذي ينتظرنا لا يزال هائلا، تعترف الهيئة بأهمية منظور النساء، وشملت بشكل فعال أصواتا أكثر من الإناث. تشكل النساء الآن 23٪ من ملفاتها المُقدّمة. هذا العمل المشتمل يجب أن يستمر، وشبكة "العدالة الانتقالية للنساء أيضا" تدني الهيئة قريبا من رؤيتها حول نقاش شامل يخطط مسار تونس إلى الأمام.


الصورة: سلوى القنطري (وسط) تتشاور مع أعضاء شبكة "العدالة الانتقالية للنساء أيضا" بينما يقدمن الملف الجماعي التاريخي. (TDC)