كولومبيا

خلال محادثات السلام بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، كان المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية مستشار ثقة لكلا الطرفين، يدافع عن حقوق الضحايا بينما يقدم المشورة الفنية والتجارب المقارنة. مع دخول اتفاق السلام حيز التنفيذ، سوف يستمر المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية للمساعدة في تأمين العدالة للضحايا وترسيخ السلام الدائم بعد عقود من الحرب.

امرأة مسنّة تبكي أثناء جنازة شخصية معروفة اغتيلت في بوغوتا. (سكوت دالتن)

الخلفية: بعد عقودٍ من الصراع، تدعيم السلام وتأمين العدالة للضحايا في كولومبيا

تسِير كولومبيا في عملية تنفيذ اتفاق السلام لوضع حدٍ ل50 عاماً من الصراع الداخلي مع أكبر جماعة مسلّحة في البلد: القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك). وَضعت مفاوضات السلام حقوق ضحايا الصراع في المساءلة والحقيقة وجبر الضرر في الصدارة من الحياة السياسية في البلاد. لَعِب الضحايا دوراً هاماً في السياسة الكولومبية في نقاط مختلفة خلال عقود من الصراع، ولا تزال المساءلة عن الجرائم التي ارتكبتها القوات المسلحة الغير التابعة للدولة مسألة خلافية مشحونة سياسياً. ومع ذلك، يُمثل اتفاق السلام الشامل جهود كولومبيا الأكثر عُمُومِيّة واسعة النطاق لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع والاستجابة لحقوق الضحايا.

جُذور الصراع

شَمل النزاع المسلح العديد من الجهات والمصالح، وهو نتاجُ الطموحات السياسية والتوترات الاجتماعية والاقتصادية والتنافس على الموارد. ساهمت عوامل عديدة في تطّور وتفاقم النزاع، بما في ذلك استمرار القضايا الزراعية وظهور وانتشار تهريب المخدرات والمشاركة السياسية المحدودة والضغط والنفوذ الدوليين والتفتت المؤسسي والإقليمي للدولة.

تطوّرت مجموعات العصابات المسلّحة خلال الستينات من القرن الفائت بانتفاضات الفلاحين والشيوعيين ضد الدولة. بدءاً من الثمانينات شَرَعت مجموعات يمينية شبه العسكرية بالتشكّل بتواطؤ من موظفين عُموميين، مؤلفة بالأساس من ملاك الأراضي الذين أرادوا حماية أنفسهم من العصابات المسلّحة، مضيفة بُعداً آخر للصراع. كما ساهم تهريب المخدرات إلى حد كبير في تصعيد النزاع، ليصبح أحد العوامل الرئيسية التي تغذي الصراع.

سعت الجماعات المسلّحة من جميع الجهات للحد من القدرة العسكرية لخصومها وفرض سيطرتها على السكان المدنيين من خلال ارتكاب جرائم مُرَوّعة. أنتج العنف الجماعي ما يقرب من ثمانية ملايين ضحية على مدى السنوات ال 50 الماضية - أي ما يقرب من 17٪ من سكان البلاد. وفقا لتقرير المركز الوطني للذاكرة التاريخية، فقد أدى الصراع إلى:

  • قتل حوالي 220000 شخصاً
  • نزوح ما يقرب من 6 ملايين شخصاً
  • أكثر من 60600 حالة من حالات الإخفاء القسري وجرائم جنسية وعنف قائم على نوع الجنس
  • التجنيد القسري لما يقرب من 6500 طفلاً وشاباً

اتفاق السلام

بعد 50 سنة من العنف وأكثر من 220000 قتيلاً، وَقع مؤخراً كلاً من الحكومة الكولومبية وفارك اتفاق سلام لإنهاء أطول صراع في نصف الكرة الغربي. وُقّع الاتفاق النهائي، والذي يتضمن "نظاماً شاملاً للحقيقة والعدالة وجبر الضرر وعدم التكرار" في سبتمبر من عام 2016، وقُدّم من أجل الموافقة العامة عن طريق الاستفتاء في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016. بشكل غير مُتوقع، صُوّت ضد الاتفاق بفارق ضئيل ( 50.2٪ لا؛ 49.8٪ نعم)، مما أدّى إلى مزيد من المفاوضات بين الحكومة وممثلي فارك وإعادة النظر في بعض بنود اتفاقية السلام. وُقّعت الاتفاقية المُنقحة من قبل جميع الأطراف وافق عليها الكونغرس الكولومبي.

بدأت محادثات السلام بين الحكومة الكولومبية وفارك في نوفمبر من عام 2012. تمركزت المحادثات حول ست نقاط تفاوض رسمية: الإصلاح الزراعي، والمشاركة السياسية، والمخدرات غير المشروعة، والضحايا، وإنهاء الصراع، وتنفيذ اتفاق السلام.

تم التفاوض على الاتفاقية على مراحل، مما أدّى إلى اتفاقات فرعية صدرت دورياً وغطت نقاطاً مختلفة من المفاوضات. على سبيل المثال، كان "اتفاق الضحايا" أحد أكثر نقاط التفاوض إثارة للجدل واستغرق ثلاث سنوات من المناقشات قبل توقيعه من قبل الطرفين في ديسمبر/ كانون الأول في عام 2015. هذا الجزء فقط من الاتفاق النهائي يُوفّر عدداً من الآليات التي تهدف إلى توفير المساءلة عن الجرائم الخطيرة والوفاء بحقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم تكرار. اتفاق آخر مَكّن من تسريح منظم وانتقال إلى الحياة المدنية والمشاركة السياسية لأعضاء فارك.

أُقيمت المفاوضات في هافانا عن طريق التشاور العام والنقاش من خلال عدد من الآليات، مما سَمَح للمجتمع المدني والضحايا والفئات الاجتماعية وغيرها بالمشاركة بشكل لم يسبق له مثيل بمدخلات في محتويات الاتفاق النهائي. سافر أكثر من 60 ضحية من ضحايا الانتهاكات التي ارتكبها كلا طرفي النزاع إلى هافانا للإدلاء بشهادتهم حول تجربتهم والتقدم بمقترحات إلى الأطراف المتفاوضة. ومن بين هؤلاء، بلغت نسبة النساء 60٪.

بالإضافة إلى المشاركة المباشرة في المحادثات، أنشأت الأطراف المتفاوضة سلسلة من المنتديات الإقليمية لجمع وجهات النظر الضحايا والمقترحات، في حين نظم البرلمان الكولومبي "موائد مستديرة للسلام". وأسفرت هذه المبادرات عن آلاف من المقترحات المُقدمة من الضحايا إلى المفاوضات. وكان لبعض هذه المقترحات تأثير كبير على الاتفاق النهائي.

الجهود السابقة للمساءلة والاعتراف والمعالجة

اتفاق السلام الشامل الأخير هو تتويج لعقود من مفاوضات السلام، وتسريح المقاتلين، والبحث عن الحقيقة والعدالة وجبر الضرر للضحايا. وتستمر هذه العملية حتى بعد الاتفاق مع فارك، مع المفاوضات المُعلقة مع الجماعة المسلحة الرئيسية الأخرى التي لا تزال في قتال مع القوات الحكومية، مثل جيش التحرير الوطني.

بين أعوام 2003 و 2006، أدى التوصل إلى اتفاق سياسي بدأه الرئيس السابق ألفارو أوريبي إلى تسريح أكثر من 35000 من أعضاء الجماعة شبه عسكرية : قوات الدفاع الذاتي المتحدة في كولومبيا، (وفقا لأرقام الحكومة).

في عام 2005، صدر القانون 975، والمعروف باسم قانون العدالة والسلام (JPL)، لتسهيل إعادة إدماج هؤلاء المقاتلين السابقين المُسرّحين في الحياة المدنية. منح هذا القانون المقاتلين شبه العسكريين السابقين عقوبة سجن مخفضة في مقابل الاعتراف الكامل والمساهمة في دفع تعويضات للضحايا والسلام الوطني. بحلول يونيو من عام 2016، كان أكثر من 4400 مقاتل شبه عسكري سابق مَرّ خلال محاكم العدل والسلام، ولكن لم يصدر سوى 49 حكماً. وبينما تُلام إلى العملية على التقصير في عقد جميع الجناة مسؤولون وجلاء الحقيقة كاملة حول هذه الظاهرة شبه عسكرية، فقد أنشأت العملية بيئة مواتية لجهود ودعوات منظمات الضحايا في مجالات الحقيقة والعدالة وجبر الضرر. أيضا، استحدث القانون المركز الوطني للتعويض والمصالحة وتاريخ المجموعة الوطنية، والذي وضع الأساس لجهود تقصي الحقائق والذاكرة في المستقبل. للأسف، عادت الهياكل شبه العسكرية السابقة من جديد في شكل عصابات إجرامية تُهدد حاليًا تنفيذ اتفاق السلام في المناطق.

في عام 2011، إدارة الرئيس خوان مانويل سانتوس رَوّجت لتمرير قانون 1448، والمعروف باسم "قانون الضحايا"، الذي استحدَث برنامج تعويضات شامل وآليات لتقصّي الحقائق وإجراءات لإعادة الأراضي لضحايا النزاع المسلح. أنشأت الحكومة مؤسسات جديدة لتنفيذ هذه البرامج، أبرزها "وحدة الضحايا "و "وحدة رد الأرض"، "والمركز الوطني للذاكرة التاريخية."

حتى الآن، وَفّرت هذه المبادرات قدراً من العدالة لبعض الضحايا، ولكن تم تخفيض فعاليتها بسبب الصراع الدائر: ثبت أنه من الصعب معالجة الانتهاكات التي اُرتكبت خلال النزاع بينما يَستمر الصراع. مع اتفاق السلام في حيز التنفيذ، سوف تستمر هذه المؤسسات عملها في سياق جديد قد يخلق المزيد من الفرص للتأثير.

دور المركز الدولي للعدالة الانتقالية:

يَعملُ المركز الدولي للعدالة الانتقالية في كولومبيا منذ عام 2005، ودَعم عمل مجموعات الضحايا، وتقديم المساعدة التقنية والتدريب، والتأثير على سياسات العدالة الانتقالية الوطنية من خلال أعمال الدعوة والحوار السياسي، وتوليد فهم أكبر لتطوير العدالة الانتقالية في البلد من خلال التوعية واستراتيجيات التواصل.

يسعى برنامج المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية في كولومبيا إلى تعزيز الآليات الوطنية لحماية حقوق الضحايا في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر أثْناءَ تحقيق قدر أكبر من الفهم العام والحوار حول العدالة الانتقالية.

استشارة الطرفين في مفاوضات السلام: خلال مفاوضات السلام، وفّر المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية المساعدة التقنية، وشاركَ في الحوار السياسي مع صانعي السياسات الوطنية والسلطات القضائية والمجتمع المدني حول آليات العدالة الانتقالية تحت الدراسة، وبخاصة "الاختصاص القضائي الخاص من أجل السلام" و "لجنة تقصي الحقائق".

جبر الضرر: نَفّذ المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية دراسة عن برنامج الحكومة للتعويضات الفردية، والتي تُوضح المشاكل الهيكلية التي تعرقل تنفيذ القانون بالشكل المناسب وتحلل تجارب الضحايا والتحديات التي تواجههم، خاصة أولئك الذين يعيشون في المناطق الداخلية. قدمنا توصيات بشأن عنصر جبر الضرر في اتفاقات السلام، مثل إدماج نهج إقليمي في التعويض وتعديل برنامج التعويضات الحكومية للتأكد من أن يكون للتدابير تأثيراً ملموساً على حياة الضحايا. ونقدم أيضاً المشورة بشأن عمليات جبر الضرر الجماعي.

بناء الحوار العام: تعزيز الفهم العام للعدالة الانتقالية هو وظيفة أساسية لبرنامج مكتبنا في كولومبيا. أصبحت العدالة الانتقالية مفهوماً مشتركاً في الخطاب العام الكولومبي، ولكن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة حوله. أقام المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية شراكات وثيقة مع وسائل الإعلام الوطنية الرئيسية ، بما في ذلك مؤسسات مثل Fundación Nuevo Periodismo Iberoamericano (FNPI) and Revista Semana ، لتنظيم دورات تدريبية واجتماعات مائدة مستديرة ومناقشات مغلقة حول قضايا العدالة الانتقالية للصحفيين والمحررين.

جمع الجهات الحكومية والمجتمع المدني: يُسّهل المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية مساحات للتفاعل بين القوى الاجتماعية الفاعلة وممثلي الدولة في قضايا العدالة الانتقالية، ويزوّد ليس فقط الضحايا ولكن أيضاً المجموعات الأخرى بفرصة للتعبير عن مخاوفهم ومقترحاتهم الحالية للمشاركة في عمليات العدالة الانتقالية. خبرة المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية وتجاربه الدولية المقارنة تُثري هذه المناقشات.

بناء القدرات: ُنقدّم التَوْجِيه التقني- بناء على القانون المحلي والتجارب الدولية الُمقارنة- لمؤسسات الدولة الرئيسية، سواء القضائية وغيرها. ويشملُ ذلك محكمة العدل العليا، ومحاكم العدل والسلام، ومكتب النائب العام، ووحدة الضحايا، ومكتب المفوض السامي للسلام، ضمن مؤسسات أخرى. على سبيل المثال، وَضع المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية دليلاً لشعبة التحليل والسياق لمكتب النائب العام يَتوسّع في مفهوم جرائم النظام ويقترحُ بعض الإرشادات العامة للتحقيق السياقي المستمدة من الخبرة والمعرفة الدولية في هذا المجال. كما يستهدفُ المركز الدوّلي للعدالة الانتقالية منظمات المجتمع المدني في بوغوتا والمناطق الداخلية، بما في ذلك الضحايا والمنظمات النسائية، وتوفير التدريب، والحوار، والمساعدة في صياغة المقترحات العدالة الانتقالية الخاصة بهم.

حقوق المرأة: لدى كولومبيا حركة نسائية قوية اعترف بها المركز الدولي للعدالة الانتقالية ودعمها، وحثّ جماعاتها على العمل بشكل تعاوني على مشاريع متصلة بالعدالة الانتقالية. وقد أدرج المركز الدولي للعدالة الانتقالية النوع الاجتماعي في عمله في جميع مجالات العدالة الانتقالية، عاقداً اجتماعات منتظمة مع المنظمات النسائية المختلفة ومعززاً لحوار الند للند للتفكير في التحديات التي تواجه النساء في تنفيذ آليات العدالة الانتقالية التي أنشئت في اتفاق هافانا للضحايا.

تعزيز مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ومنظمات الضحايا: نُقدم المساعدة التقنية لأولئك الذين يسعون لتعزيز حماية حقوق الضحايا، بما في ذلك التعامل المباشر مع المُشّرعين والنشر الجماهيري لأوراق رأي تحليلية. نزوّد المنظمات غير الحكومية المحلية بالتدريب والأدوات لتعزيز تمثيلها لحقوق الضحايا ومصالحهم، وتعزيز فضاءات للتفكير بشأن العدالة الانتقالية.

إعادة دمج الأطفال: في عام 2014، أنتج ونشر المركز الدولي للعدالة الانتقالية تقريراً يُقدم نهجاً جديداً لتوجيه التعويضات وإعادة دمح الأطفال والشباب، الذين كانوا ضحايا التجنيد الغير المشروع. وبناء ًعلى دراسةٍ لتنفيذ الحكومة لبرنامج التعويضات الكولومبي، وخاصة للأطفال المُسرحين، ومن الدروس المستفادة من تجارب إعادة الإدماج في كولومبيا وفي بلدان أخرى، استنتجنا أنه من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي تنظر بها المؤسسات العامة للأطفال المجندين السابقين. بدلاً من حصر تحليلنا لتفسيرات ثنائية تؤدي إلى تصورهم إما كضحايا سلبيين أو جناة، اقترحنا أن يتم اعتبارهم كمواطنين في التدريب مع حقوقٍ ومسؤوليات. يقوم اقتراح المركز الدولي للعدالة الانتقالية على أساس مقاربة لجبر الضرر يتضمن القدرة على الاستجابة لتحديات الإدماج الاجتماعي للشباب ويتمسك بكرامتهم ويسمح لهم باعتناق كامل لمواطنتهم.