أحاطت مجموعة من الشهود بجثة رجل ملقاة في وضع السجود على الأرض خارج مبنى إدارة بلدية تونسية مغطى صدره بغبرة الرماد. وبينما كان البعض يلتقط صوراً للجثة الهامدة بواسطة هواتفهم المحمولة، اكتفى معظمهم بالوقوف فقط إلى جانبها بلا حول ولا قوة. قبل لحظات فقط، أقدم هذا البائع المتجول الشاب على إضرام النار في جسده احتجاجا على المعاملة التي لقيها من قبل الشرطة.

في شهر أكتوبر من عام 2015 المنصرم، كنا في صفاقس، وهي مدينة تقع على ضفاف البحر المتوسط على بعد نحو 170 ميلا (273,53 كيلومترا) جنوب شرقي العاصمة التونسية حيث أقدم البائع المتجول الشاب سيف الدين الخرداني البالغ من العمر 24 عاما على وضع حد لحياته بحرق نفسه. وفقًا لرواية ابن عمه، أصبح سيف الدين العائل الوحيد لأمه وأخواته بعد وفاة والده من خلال ما يجنيه من بيع السجائر، وإثر مشادة وقعت مؤخراً بينه وبين والشرطة وانتهت بتغريمه مبلغاُ باهظاً "شعر كما لو أن الدنيا أظلمت من حوله."

ولئن بدت قصة الخرداني مألوفة، فذلك لأن هذه الفعلة تشبه ما أتاه محمد البوعزيزي البالغ من العمر 26 عاماً، في حق نفسه من خلال عملية إضرام النار في جسده عام 2010 والتي يعود الفضل إليها في إطلاق شرارة الثورة التونسية التي ألهمت الانتفاضات التي اجتاحت المنطقة وعرفت باسم "الربيع العربي".

يُعد التحرش المنتظم الذي كان يتعرض له البوعزيزي – وهو المعيل الوحيد لأمه وأخوته منذ سن العاشرة – أثناء قيامه بعمله أمراً شائعاً جداً بين الباعة المتجولين الآخرين، وهو الأمر الذي أفقده صوابه. وكان يعبر لأمه بانتظام عن الإحباط الذي يعتريه نتيجة حكاياته مع ضباط الشرطة الذين يسرقون بضاعته بانتظام، ويفرضون عليه الغرامات ويمنعون الباعة المتجولين بتعسف من بيع بضاعتهم في الشارع. وسرعان ما بات واضحاً أن الظروف التي أدت إلى ما أقدم عليه البوعزيزي من حرق لنفسه تعكس مشاعر شرائح أوسع في المجتمع وعلى وجه الخصوص شباب المناطق المهمشة في البلاد. في ظل مناخ اقتصادي يوفر فرصاً قليلة للشباب للحصول على فرص عمل مجدية، كان الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن تنطلق شرارة أحداث 2010 التي أشعلت برميل بارود الثورة في تونس.

جدارية تذكارية لمحمد بو العزيزي. (Flickr/FarOutFlora)

لقد مضت خمس سنوات منذ أن عمت احتجاجات ضخمة الشوارع في حركة قادها الشباب وساعدت على إسقاط النظام القمعي للرئيس السابق زين العابدين بن علي – الذي تولى مقاليد السلطة منذ عام 1987 – ووضعت البلاد على مسار الديمقراطية. ومنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2015 إلى الرباعي الراعي للحوار الوطني، وهو ائتلاف لأربع منظمات من المجتمع المدني التونسي، تقديرا لمساهماته في إنقاذ مسار التحول الديمقراطي. وربما مثلت الجائزة شهادة على تصميم المجتمع الدولي على احتفاءه بالتقدم المحرز في البلد على الرغم من العديد من التحديات الخطيرة التي تواجهها.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن البلد ينظر إليه على نطاق واسع على أنه قصة النجاح الوحيدة في البلدان التي اجتاحتها ثورات الربيع العربي، فإن الدافع الكامن وراء إضرام الخرداني النار في جسده يطرح السؤال البديهي التالي: إلى أي مدى تغيرت تونس حقاً، خصوصا بالنسبة لأولئك الذين كانوا الشرارة والمحرك للثورة؟ ما هو شعور الشباب الذين شاركوا في المسيرات والاحتجاجات في عام 2011 حيال الانتقال الديمقراطي؟ إلى أي مدى قد تحسنت ظروف حياتهم فعلا؟

كما اتضح، ينظر العديد من النشطاء الشباب في تونس إلى الأشياء بشكل مختلف عما يقال عادة في وسائل الإعلام. يرى البعض إلى المؤسسة السياسية بكونها قديمة وفاسدة، وفي قطيعة تامة مع واقعهم اليومي. ولايزال الشباب يعاني من انعدام الفرص الاقتصادية، ومن الإقصاء من المشاركة في الحياة السياسية ما بعد الثورة، ويستمر في الكفاح من أجل كسب الفضاءات، والظهور العلني، واغتنام الفرص لمساعدة وإشراك المجتمعات المحلية في النضال من أجل تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

رغم أن العديد يتشاركون في التصور الذي يعتبر أن الثورة التونسية أفضت إلى ولادة جديدة، ومزهرة لمجتمع مدني، يقوده الشباب إلى حد كبير، فإن الحقيقة هي أنه لم يتغير في الواقع الكثير لفائدة الشباب في تونس. وهذه بعض من قصصهم.

(حملة مانيش مسامح)

"يمكننا أن نتحدث بصوت مرتفع: هذا مكسبنا": الحياة قبل وبعد رحيل بن علي

ريم القنطري/ مديرة مكتب المركز الدولي للعدالة الانتقالية بتونس. (Mohamed Tata/ICTJ)

لا يبدو أن الهواتف ستتوقف عن الرنين في مكتب ريم القنطري الواقع في المكاتب المشيدة حديثاً في وسط مدينة تونس. من خلال سلوكها الذي يشع بالتفاؤل الهادئ والمفعم بالطاقة المتقدة، تعتبر القنطري واحدة من الأصوات الرائدة في الحديث الدائر في تونس عن العدالة الانتقالية. أصبحت ريم القنطري وهي في عقدها الثالث تشغل منصب مديرة فرع المركز الدولي للعدالة الانتقالية في تونس وكاتبة لتقرير نشر مؤخراً حول مسار العدالة الانتقالية في البلاد.

في دردشة حول ذكرياتها عن ماضي البلاد في الآونة الأخيرة، تتذكر ريم مدى الإحباط الذي كانت تشعر به كامرأة متدينة نشأت في ظل نظام بن علي، وتستحضر التمييز الذي واجهته النساء اللاتي كن يرتدين غطاء الرأس [سواء الوشاح التقليدي أو الحجاب] عند محاولتهن العثور على شغل. فعلى سبيل المثال، كان يمنع عنهن الحصول على وظيفة في مؤسسة حكومية.

وتوضح ريم أن الصورة التي كانت تسوق إلى بقية العالم عن دور نظام زين العابدين بن علي في دعم تحرير المرأة كانت مجرد واجهة دعائية لـ " تونس الليبرالية " والتي كانت تعني عملياً أنه ينبغي أن تعكس جميع النساء الصورة الغربية فقط.  كان والداها، حرصا منهما على سلامتها، يمنعانها من ارتداء الحجاب أو إبداء مظاهر التدين في الأماكن العامة.

قبل الثورة، عملت ريم القنطري موظفة في سفارة باكستان في تونس، ثم في وقت لاحق في الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA). وفي عام 2008، مكّنها عملها لدى الوكالة اليابانية للتعاون الدولي من معاينة بعض المناطق الأكثر تهميشاً في البلد، من جنوب تونس إلى غربها، حيث اكتشفت أن العديد من الفتيات محرومات من الذهاب إلى المدرسة. لقد أذهلها أن يحدث هذا الأمر، في الوقت الذي كان جميع القاصرين التونسيين ملزمين قانوناً بالذهاب إلى المدرسة حتى سن 16.

تقول ريم: " على الرغم من أننا كنا نظهر أنفسنا كدولة تعمل لصالح الشباب -وهذه هي الرسالة التي كنا نبعث بها إلى المجتمع الدولي، وهي أن الشباب هم عماد البلاد -فإنه على أرض الواقع- لم يكن ذلك صحيحاً."  وتضيف السيدة ريم قائلة: "استخدم الشباب خلال الانتخابات لتلميع الصورة، ولكنهم لم يتمتعوا حقوقهم، خاصة الشباب في المناطق المهمشة."

تولى بن علي السلطة عام 1987 في أعقاب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة. اشتهر زين العابدين بن علي باستخدامه سلسلة من الإجراءات الأمنية القمعية لسحق المعارضة في تونس. ومن المعلوم أن أكثر من 10,000 شخص تم اعتقالهم بشكل تعسفي في ظل حكمه. اتسمت إدارته أيضاً باستشراء الفساد المنظم الذي تم أثناءه منح أقارب بن علي وشركائهم الصفقات التجارية المربحة، والاستحواذ على الأراضي العامة، والاستغلال غير المسبوق للمؤسسات الحكومية للانتفاع بالإعفاءات الضريبية أو استخدامها كأدوات للإكراه والابتزاز.

لوحة للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي.  (Flickr/thierry ehrmann)

أدى الكشف عن حجم الجرائم الاقتصادية لنظام بن علي إلى بروز جدل داخل مجتمع حقوق الإنسان بشأن ما إذا كان ينبغي أن ينظر إلى تفشي الفساد كقضية من قضايا حقوق الإنسان.

ويبرز هذا الأمرعلى وجه التحديد عندما يحاول المرء قياس مدى التغيير الذي حدث في تونس منذ إزاحة زين العابدين بن علي عن السلطة وفضح جرائمه. ولكن لا يعرف بعد ما إذا كان ستتم محاسبة أولئك الذين ثبت ارتكابهم لجرائم اقتصادية خلال نظام بن علي، وإلى أي مدى.

وبينما قد تكون الانتفاضة التي أطاحت بالحكم الاستبدادي بشرت بمكاسب محمودة في مجال حرية التعبير، يشعر الناشطون الشبان بالإحباط من حقيقة استمرار النخبة في السيطرة على معظم وسائل الإعلام، ولاتزال توجد صدوع عميقة بين الفرص والظروف في مناطق تونس الحضرية الساحلية الأكثر ثراء والمناطق الداخلية المهمشة والأكثر فقراً.

تقول ريم القنطري: "لا توجد استجابة للمطالب الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالفساد لا يزال مستشرياً، وفرص العمل ظلت معدومة." وتضيف ريم بحسرة: "المكسب الوحيد الذي جنيناه من الثورة هو حرية التعبير"،حيث  "يمكننا أن نتحدث بصوت مرتفع... هذا مكسبنا من الثورة."

(Chadha Ben Sliman/ICTJ)

يزدهر الفن في خضم الصراع

في ليلة ربيعية دافئة في حي سكني في تونس العاصمة، كانت حفلة جماعية قد بدأت لتوها وقد اجتمع حشد منتقى حيث تتقاطع ثلاثة شوارع هادئة على إحدى الساحات.

روح احتفالية تخيم على المكان، صار محور الاهتمام خلالها، رجل متوسط العمر كان يلقي قصيدة وأمامه مجموعة من الميكروفونات (المصادح).

وقف الرجال والنساء من جميع الأعمار في شكل نصف دائرة مصغين إليه، بينما جلس ثلة من كبار السن في مكان قريب على كراسي بلاستيكية بيضاء. وتجمع آخرون في المداخل متكئين على السيارات في محيط الساحة. وعلى مقربة من هذا التجمع تحلقت مجموعة من الأطفال حول طاولة، يصنعون أشكال اوريغامي باستعمال ورق صبغ بألوان زاهية.

يقف الشاعر أمام مبنى مثلث الشكل تغطي كتابة الجرافيتي (الكتابة على الجدران) جدرانه وبابه الأمامي مغلق بإحكام بواسطة السلاسل والأقفال. إنه مقر فضاء "مسار"، الذي يضم مجموعة من المسرحيين ويتخذ من تونس العاصمة مقراً وهو كذلك مركز ثقافي يديره الفنان صالح حمودة.

أسس صالح حمودة فضاء مسار كمساحة ثقافية مجتمعية تشاركية. (Chadha Ben Sliman/ICTJ)

كان صالح حمودة من بين الحضور في تلك الأمسية الخاصة. وبينما كان يشق طريقه وسط الحشد، بدا واضحاً أنه هو المسؤول عن التظاهرة. وكان وهو يرتدي قميصا أصفر لامعاً وسروالا من الجينز، وشعره الأسود المجعد الكثيف مشدود إلى الوراء في شكل ذيل حصان، يشق سبيله وسط الحشد مصافحاً بعضهم ومربتاً على أكتاف رجال آخرين.

لم يوفر المناخ السياسي والاقتصادي في تونس قبل جانفي/ يناير 2011 إلا عدداً قليلا من فرص العمل المجدية للشباب مما دفع بالكثيرين منهم، لا سيما في المناطق الأكثر تهميشاً إلى التظاهر علناً واستخدام وسائل التواصل الاجتماعية للمطالبة بالتغيير في البلد. استعمل العديد من الفنانين الشبان، مثل حمودة، فنهم لتحدي سوء استخدام الحكومة للسلطة قبل الثورة. وقد استمروا في ابتكار وسائل وشبكات للتعبير الإبداعي في جميع أنحاء البلد.

يعتبر اسم صالح حمودة مألوفاً في الوسط الفني التونسي. بعد أن صار ممثلاً في سن مبكرة، بدأ العمل لأول مرة في المسرح عندما كان كشافاً في المنظمة التونسية للأطفال ثم انتقل في النهاية إلى تونس العاصمة لمتابعة دروس في الفنون الدرامية وبعد تخرجه من الجامعة، كتب حمودة وأخرج عدة مسرحيات، تم حظر عرض إحداهن في عهد بن علي بسبب عنوانها، وهو "شواطن الحكة" أو "الزنوس".

يفسر صالح بقوله "خلال ذلك الوقت، كانوا صارمين جداً تجاه كل شيء، حيث يكفي أن يعثروا على أي قضية يثيرها أي عمل إبداعي حتى يتمكنوا من فرض الرقابة عليه."  كان عنوان المسرحية يحمل إشارة إلى العمل أو الطبقة العاملة. ألزموا بوقف عرض المسرحية بسبب ما وصفته الحكومة من احتوائها على دلالات سياسية وإيحاءات جنسية.

خلال الثورة، كان حمودة عنصراً ضمن المجموعة الأولى التي قامت بتأسيس اتحاد الفنون الدرامية في تونس. بعد فترة وجيزة من الثورة، قرر إنشاء فضاء "مسار" كمتنفس فني لمجموعته التي تكونت منذ ستة عشر عاماً.

بدلاً من إبداع تمثيل يطرح مشكلة ويقترح حلاً، يركز فضاء "مسار" على جزء من قضية معينة ثم يعقُب العرض نقاش يشارك فيه الجمهور. على إثر العرض الذي تم مؤخراً لمسرحية بعنوان "الباش" تمحور مضمونها عن الهجرة غير الشرعية، أتت مجموعة صالح حمودة بقائمة من التوصيات لتقديمها إلى المجلس التأسيسي.  يسعى فضاء مسار للاستمرار في تقديم الفن الذي يتحدى الوضع القائم والانخارط في القضايا الاجتماعية التي أدت إلى اندلاع الثورة.

ورشة فنية للأطفال بفضاء مسار.

يتمثل الفهم الأفضل لـ مسار في كونه فضاء أو مركزا ثقافيا في المنطقة مما يجعله في علاقة مباشرة مع الأحياء المجاورة لمقره. فعلى سبيل المثال، الشباب الذين يقومون بنصب تجهيزات العروض الفنية هم الأشخاص أنفسهم الذين يقومون بمسح وتنظيف أماكن العرض بمجرد إزالتها. عند زيارة فنانين من خارج المدينة للمركز، تقوم والدة شخص ما بإعداد طبق الكسكسي في حين يتولى أحد الجيران إعداد الطاولات. يقول حمودة هنا: " في هذا الفضاء المفتوح يزدهر الفن."

"إننا نحلم بإنتاج أعمال فنية قريبة من مشاغل الناس."

تمثل المجموعة - كما يوضح حمودة - تجسيداً للتفكير المستقل والمشاركة السياسية للشباب. يقوم فضاء "مسار" بلم شمل الفنانين والممثلين والأكاديميين والناشطين السياسيين، وهو بمثابة ملاذ للتفكير الحر والمفتوح في تونس. يصدر فضاء "مسار" صحيفة مستقلة، ويقوم بعقد اجتماعات شهرية لإجراء مناقشات سياسية مع طيف واسع من التونسيين.

يقول صالح: " رؤيتنا للفن أنه ليس محايدا أبداً" ويضيف: " لا يوجد فن محايد ولا يمكن أن يكون محايدا. ينبغي أن يرتبط الفن بالواقع، وبالمشاكل والقضايا الإنسانية حيثما وجد. "

وفي واقع الأمر ينعكس واقع الشباب في الفن الذي يقومون بإنتاجه، والذي ينضح بشكل متزايد بمشاعر الغضب والغصة.

(Flickr/Archer10)

العدالة الانتقالية بعد سقوط بن علي

اتخذت تونس في غضون سنة بعد فرار بن علي من البلد خطوات ملموسة على طريق إقامة الحكم الديمقراطي. وكلف المجلس الوطني التأسيسي الذي أنشئ بموجب انتخابات أكتوبر 2011، بوضع دستور جديد وصياغة قوانين لتوجيه المرحلة الانتقالية في البلاد. وكان تنفيذ تدابير العدالة الانتقالية جزء من هذه العملية.

أنشأ قانون العدالة الانتقالية، الذي أقر في عام 2013، إطاراً واسعاً للتعامل مع الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحقبة الدكتاتورية (الممتدة بين سنوات 1955-2013)؛ وأكدت الخطة على طرح مبادرة لتقصي الحقائق، وإعداد برنامج لجبر الضرر، والسعي لتحقيق المساءلة الجنائية. بالإضافة إلى ذلك، نص القانون على إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة باعتبارها هيئة رسمية مسؤولة عن التحقيق والإبلاغ عن الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان. تم تدشين الهيئة في جوان/يونيو 2014، وتلقت الهيئة ما يقارب من 20000 ملفاً.

تقول الناشطة الحقوقية نضال حليم أن القوة الدافعة للثورة التونسية أتت من المناطق الداخلية. (Chadha Ben Sliman/ICTJ)

تقول نضال حليم وهي امرأة شابة تعمل في وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة وناشطة بفرع منظمة العفو الدولية في تونس "يتمثل تقصي الحقائق في القدرة على الكلام، والتعبير عن قصتك وروايتها. "  وتضيف: "لن تستطيع تحقيق التقدم وفهم الآخرين إلا من خلال قدرتك على التعبير عن أفكارك."

ترعرعت نضال في قفصة، وهي مدينة منجمية تقع في جنوب غرب تونس عرفت بالدور الذي لعبه مواطنوها في الثورة. تم عزل والدها من وظيفته بسبب نشاطه النقابي في أوائل سنوات الثمانينيات عندما كان بورقيبة على رأس السلطة. على الرغم من أنها كانت صغيرة جداً لتذكر اليوم الذي فقد فيه والدها وظيفته، فإن ما علق في ذكرياتها المبكرة هو استيقاظ والدتها مبكراً لطهي الفاصوليا لكي يبيعها والدها في السوق.

بينما كان الناس الذين يعملون في المدن الكبرى مثل تونس العاصمة يفقدون أيضاً وظائفهم بسبب نضالهم صلب النقابات، كان الناس في الجنوب المهمش أكثر فقراً، ومعدل البطالة أعلى دائما في المناطق الريفية والجهوية.

تقول نضال في إشارة إلى انتفاضة جانفي/ يناير 2011 "إن العناصر الحقيقية التي تقف وراء التعبئة الشعبية ضد النظام ليسوا أنا ولا النشطاء الآخرين في العاصمة، ولكنهم الناس العاديين في الجنوب. الناس الذين لا تشاهدونهم على شاشات التلفزيون."

وتؤكد ريم القنطري على أن نسبة الاستثمارات الاقتصادية الحكومية في المناطق الداخلية تتراوح من ضعيفة إلى معدومة، ويمثل هذا المعطى مفتاحاً لفهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة وعدم تحسن الأمور كثيرا حتى يومنا هذا على حد سواء.

وتوضح ريم " لم يكن لدى معظم المواطنين الذين يعيشون في مناطق مثل تونس العاصمة أي مشكلة مباشرة مع بن علي". وأضافت "إنهم يؤمنون بمصداقية صورة تونس التي كان رئيسهم السابق يبرزها للعالم لأنهم كانوا محصنين ضد ما كان يحدث في المناطق المهمشة."

"بالنسبة إليهم، قامت الثورة للمطالبة بالحقوق المدنية والسياسية، ولكن بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في فقر مدقع ومحرومين من الحق في التعليم أو العمل في المناطق الداخلية، مثلت الثورة كفاحاً من أجل نيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية."

في الحقيقة، لم تتحسن الأوضاع الحياتية للأشخاص الذين يعيشون في المناطق المهمشة منذ قيام الثورة. وفي الواقع، إن الوضع بالنسبة لكثير من الشباب بصدد التدهور. فوفقاً لتقرير البنك الدولي نشر في عام 2014، زاد معدل البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة بعد الثورة.

تونسيون يحتفلون بالذكرى الرابعة للثورة. (Flickr/Magharebia)

أما اليوم، وفقاً لنضال، تدعم الحكومة التونسية الحالية والأحزاب السياسية الرئيسية الرواية التي تلوم الثورة على تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الراهنة في البلاد. وتزعم حليم أنـ "[هم] ما انفكوا يقولون للمواطن العادي أن الثورة لم تكن فقط غير مثمرة ولكنها أيضا سبب تدهور وضعه الاقتصادي. يقولون إن الثورة عادت بأوضاع الناس إلى الوراء. ولكن هذا غير صحيح".

وتجادل نضال بأن مناطق الجنوب لا تزال بائسة ومهمشة حتى بالرغم من أن الدستور الجديد ينص على مبدأ اللامركزية؛ فإن التغييرات لم تحدث إلا على الورق فقط، ولم يتم تحقيق أي شيء جوهري. تقول نضال "إن الأمر لا يقتصر فحسب على الوضع الاقتصادي السيئ، بل يتعدى ذلك إلى تواصل انتهاكات الشرطة ضد الشباب. إنهم لم يغيروا طرقهم في التعامل مع المواطنين."  وتضيف: "فالمظاهرات في قفصة لم تتوقف حقا. والشباب لا يزالون يكافحون من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية. فولاية قفصة مازالت محرومة من التمتع بعائدات ثرواتها المنجمية ومن التنمية."

وتضيف نضال أيضاً "أعتقد أن ما جنيناه من الثورة هو حرية التعبير وحرية الفكر، وقدرتنا على الوقوف ضد أي انتهاك." "بينما على مستوى معيشة المواطن، فإن الأمور لم تتحسن، ولايزال لدينا الكثير من العمل للقيام به."

تتذكر نضال تتدفق الدعم المعروض على عائلتها على أيدي أفراد من المجتمع زمن احتياجهم، عندما كانت طفلة. وهي تعتقد أن دعم المجتمع جزء لا يتجزأ من تمكين الأسر التي تكافح من أجل تلبية احتياجاتها الأساسية وللنضال من أجل احترام حقوق الإنسان الأساسية.

تقول نضال: "يستطيع زين العابدين بن علي، أو أي شخص آخر، إصدار الكثير من الأوامر الأمنية واعتقال الناس ومحاولة فرض دولة بوليسية اليد العليا سوف تكون دائما للشعب. سيكون القرار النهائي بيد المجتمع من خلال دعم أفراده لبعضهم البعض وبما يعلمونه لأطفالهم."

استلهمت نضال النشاط بفضل تلك الأيام المبكرة. حيث ظلت أسرتها منخرطة بشدة في تنظيم النقابات العمالية، واستمرت في استخدام منزلها لعقد اللقاءات على الرغم من الصعوبة البالغة التي كانت تجدها في الحصول على الغذاء. تقول حليم "يمثل المجتمع درعا لظهورنا."

رحبت نضال على غرار الكثير من أترابها، بإنشاء هيئة الحقيقة والكرامة كنها ظلت حذرة فيما يتعلق بقدرتها على تحقيق أهدافها خلال مدة ولايتها. وتشير حليم إلى أنه يوجد فرق كبير بين إنشاء مثل هذه الهيئة وتحقيق النتائج. تقول حليم أنها لا تر أي سبب يحملها على الاعتقاد بأن الهيئة سوف تكون قادرة على النجاح، وهي تلقي باللوم بخصوص هذا الفشل على حقيقة كون الهيئة ليست محايدة تماماً.

تشير حليم إلى الكيفية التي تم بموجبها اختيار أعضاء الهيئة ، ذلك أن عملية اختيار أعضائها تعرضت لانتقادات شديدة، على الرغم من أن المجلس الوطني التأسيسي اتبع الإرشادات الرسمية الواردة في قانون العدالة الانتقالية.

تعتبر عملية اختيار المجلس لأعضاء الهيئة في أذهان كثير من النشطاء، غير شفافة أو تشاركية بما فيه الكفاية، وكانت، بالتالي، غير قادرة على إيجاد شعور بان هذه العملية ملك للجميع.

"مقر هيئة الحقيقة والكرامة بالعاصمة تونس' (Chadha Ben Sliman/ICTJ)

أعلنت لجنة فرز الترشحات لعضوية هيئة الحقيقة والكرامة عن فتح باب الترشح لاختيار الأعضاء الخمسة العشر في الهيئة بعد عشرة أيام فقط من صدور قانون العدالة الانتقالية، وحددت مهلة بعشرة أيام فقط لقبول مطالب الترشح. اعتبر العديد من منظمات المجتمع المدني وأعضاء من المجتمع الدولي قصر مهلة الترشح حاجزا أمام الأطراف المعنية بالترشح من الجهات الداخلية وحذرت من أن ذلك قد يؤدي إلى تسييس الهيئة.

تقول نضال "لقد انهارت في نهاية المطاف عملية اختيار المترشحين لعضوية الهيئة التي بدأت تشاركية ظاهريا عندما تم تسييسها." تعتقد نضال أنه " يوجد تباين كبير بين المسار الثابت والنتائج الضعيفة ... الذي لا يمكن تفسيره إلا من خلال عملية فرز أعضاء الهيئة". وأن " تقاسم المناصب بين الأطراف المسيطرة لن يؤدي إلا إلى عرقلة الاتجاه نحو تحقيق نتيجة ايجابية." يشدد المضرب السابق عن الطعام أكرم ضيف الله على أن " هيئة الحقيقة والكرامة تأسست لإرضاء بعض الأطراف السياسية" "ويضيف "ليس بإمكان الجميع أن يستفيدوا من عملها. . . صرح أحد مضربينا عن الطعام: نحن في حاجة إلى التضامن والوحدة في كامل البلد، من ساحلها إلى غربها."

في أفريل /أبريل الماضي، اعتصم أكرم ضيف الله ومجموعة من المتظاهرين بمبنى بلدية منزل بوزيان الذي يقع في مدخل المدينة وبدأوا إضرابا عن الطعام. تقع مدينة منزل بوزيان في عمق الريف التونسي، وتحيط بها مساحات شاسعة من الصحراء والتلال الصخرية الحمراء، وحقول أشجار الزيتون واللوز. وتقع البلدة على بعد 70 كلم جنوب مدينة سيدي بوزيد، المكان الذي أجج فيه البوعزيزي الثورة. بعد أن تسربت أخبار عن قيام البوعزيزي بإضرام النار في جسده، اجتاحت البلدة الهادئة عادة احتجاجات تضامنا مع ما أقدم عليه.

في هذه المنطقة، تروي البلدات التي تعاني من أوضاع مزرية قصصها الخاصة حول عقود من التهميش الاقتصادي. تنتشر في المنطقة العقارات المقفرة ومعظمها منازل متكونة من طابق واحد تم تجميد بناءها وهي نصف مكتملة، كما لو أن كل العمال توقفوا عن العمل في آن واحد.على خلاف ذلك، ليس من الصعب العثور على العمال الذين بنوا هذه المنازل. يكفي أن تمر بأي مقهى في الهواء الطلق به شاشة تلفزيون، وستجد (على وجه الحصر تقريبا) الرجال بصدد شرب الشاي أو القهوة ومشاهدة كرة القدم.

كانت الجهات الداخلية التونسية الأكثر تهميشاً في ظل الدكتاتورية وهي لاتزال كذلك اليوم. حيثما ذهبت في ربوع تونس سوف تجد شبابا أكثر إحباطا ويأساً من وعود الثورة من غيرهم في هذه المناطق الريفية، والغربية. على الرغم من أن النشطاء هنا يعبرون عن أنفسهم أيضا من خلال الفن، وبواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، فقد التجأ البعض الآخر إلى اعتماد تدابير يائسة.

بحسب أكرم ضيف الله، فقد تم تجاهل المنطقة تماما من قبل الحكومة، حيث تنعدم فيها التنمية اقتصادية على الرغم من التطور الحاصل في أجزاء أخرى من تونس. لقد كان المطلب الرئيسي للمضربين عن الطعام هو الحق في الحصول على شغل. لكن تم وقف الإضراب في شهر جوان /يونيو، من دون تلبية أي مطلب للمضربين.

يؤكد المضربون عن الطعام أن الإجابات يجب أن تأتي من الحكومة وليس من النقابات العمالية، لأنهم يعتقدون أنه من واجب الحكومة توفير فرص العمل.

بحسب ضيف الله وغيره من المضربين عن الطعام، تكمن العدالة في تحقيق المساواة بين الجميع، لكنه يؤكد أن ذلك يعني أيضاً وضع حد للعداء المسلط على المناطق المهمشة والفقراء.

وقد اتخذ قرار الإضراب عن الطعام بعد اعتصام دام مدة خمسة وأربعين يوما لم ينتج عنها أي رد فعل من لدن الحكومة. ويقول ضيف الله "انتقلنا إلى [تكتيكات الاحتجاج] الأكثر عدوانية لأنه الآن وبحسب رؤيتنا للأشياء، [يجب علينا] إما أن نعمل ونحيا بكرامة، أو نموت بكرامة."

الإضراب عن الطعام وسيلة احتجاج على عدم توافر فرص عمل في المناطق الداخلية بتونس. (Chadha Ben Sliman/ICTJ)

وهو يربط هذا المفهوم للعدالة بعمل الهيئة. يعتقد ضيف الله أن الهيئة هي مثال آخر على وجود أفضلية للمناطق الساحلية لدى الحكومة على الأجزاء الغربية والجنوبية من البلاد. عندما تم إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة للمرة الأولى، وعدت المناطق المهمشة بمزيد من التمويل، ولكن وفقا لضيف الله لم يحدث هذا الأمر قط.

وعلى الرغم من البداية الصعبة التي عرفها عمل الهيئة، فقد تقدم، مع ذلك، أكثر من 20,000 شخصاً من ضحايا الانتهاكات بشكاوى. ويوجد من بين لجانها المتخصصة لجنة المرأة التي تهدف إلى التحقيق في الانتهاكات القائمة على أساس النوع الاجتماعي، ولاسيما تلك المرتكبة ضد النساء وغيرهن والتي وقعت خلال الحقبة الديكتاتورية، فضلا عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لتلك الانتهاكات على حياة ضحاياها من النساء.

تخطط الهيئة أيضاً إلى إنشاء ثلاث وعشرين مكتبا جهويا لتتمكن من توسيع مهمتها خارج العاصمة تونس إلى المناطق الأكثر تهميشا وحرماناً من الخدمات.

سهام بن سدرين/ رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة. (Marta Martinez/ICTJ)

ومع ذلك، يبدو أن الهيئة تواجه معركة شاقة لأداء مهامها أثناء فترة ولايتها. وقد أدت الانقسامات الداخلية صلب الهيئة بالفعل إلى استقالة أربعة أعضاء. ولاتزال هيئة الحقيقة والكرامة تفتقر إلى الدعم من وسائل الإعلام والدولة والمجتمع المدني. وبوصفها رئيسة للهيئة، تتعرض سهام بن سدرين بانتظام إلى هجومات من قبل الصحافة.

 وفي مقابلة أجرتها معها مؤخراً جريدة الغارديان البريطانية، ألقت بن سدرين باللائمة على سوء المعاملة التي تتعرض لها على مجموعة من النخب التي عقدت العزم على التمسك بالسلطة. وأضافت "إنهم لا يريدون أن يحاسبوا أو يساءلوا عن أفعالهم"، وأن "الديمقراطية ليست انتخابات فقط، بل تتضمن مشروعية جميع الأفعال، ونحن نفتقر إلى ذلك."

(Flickr/Walid Mahfoudh)

مسيرة امرأة صلب هيئة الحقيقة والكرامة

تبرز البناية البيضاء الرائعة التي تضم مقر هيئة الحقيقة والكرامة متلألئة في تناقض واضح مع المباني الباهتة ذات السفع الرملي المحيطة بها. بينما تبرز أوعية الزهور مصصفة بعناية قي خط مستو على الدرجات الأمامية للمبنى، بلونها الأحمر النابض بالحياة والمتناسق مع لون العلم التونسي الذي يرفرف في سماء المنطقة. في حين نقش اسم الهيئة باللغتين الفرنسية والعربية فوق باب المدخل.

تركت هبة بن الحاج خليفة دراستها للانضمام للثورة، وتعمل الآن على تسهيل التواصل بين الضحايا النساء والهيئة. (Hannah Dunphy/ICTJ)

عندما فتحت الهيئة أبوابها خلال الربيع لتلقي شهادة أحد الضحايا، ورد اسم هبة بن الحاج خليفة (البالغة من العمر 28عاماً) على رأس القائمة. تقول هبة: "أردت أن أكون حاضرة شخصياً للاطلاع على سيرالأمور."

تنحدر هبة بن الحاج خليفة من العاصمة تونس، وقد عملت منسقة مشاريع في جمعية "تونسيات"، وهي منظمة غير حكومية تركز على النهوض بالمرأة على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وتتعامل جمعية "تونسيات" مباشرة مع ضحايا الأنظمة السابقة.

تقول هبة بن الحاج خليفة  "قبل الثورة، لم يكن لي أي انتماء سياسي". "وكنت أعرف أننا لا يمكن أن نتحدث عن زين العابدين بن علي وعائلته وكنا نعلم أن عائلته ورفاقه يحتكرون الاقتصاد... ولكن لم يكن لدي علم بأي من الفظائع التي ارتكبت في تونس إلا بعد الثورة."

أصبحت هبة ، على غرار الكثير من الشباب التونسيين، على بينة بالمظاهرات التي كانت تجري في سيدي بوزيد من خلال شبكة التواصل الاجتماعي الفيسبوك. وتعترف بأنها كانت تفتقر في البداية، إلى الشجاعة للمشاركة في تظاهرات مماثلة كانت تحدث في تونس العاصمة. كانت مشغولة بالدراسة وبإجراء دورة تدريبية في العلاج الوظيفي ، وهي صناعة واعدة في خضم بيئة اقتصادية التي لولا ذلك لأصبحت كئيبة.

وجاءت نقطة التحول في حياة هبة في 8 جانفي / يناير 2011، عندما استجابت هي وصديقاتها لدعوة إلى التحرك تم نشرها على صفحات الفيسبوك. خرجن إلى الشوارع للاحتجاج وتعرضن تبعا لذلك إلى الضرب من قبل الشرطة.

تقول هبة :"منذ ذلك الحين، ظللت أشارك في كل مرة، في كل مظاهرة... فقط نتيجة الغضب الذي يعتمل في داخلي. كنت أعرف أن شيئاً ما كان يحدث في تونس." وتضيف: "كان يتملكني غضب بداخلي، ضد نظام بن علي. وكانت عائلتي تقول لي ’لا تذهبي، لا تعرضي حياتك للخطر!‘ ولكني كنت أجيبهم بأن ’ذلك واجب. يتعين علي أن أذهب.‘"

تحوي مدينة تونس العاصمة العديد من المباني التاريخية التي تعود للقرن الثاني عشر. (Hannah Dunphy/ICTJ)

وبينما استمرت الاحتجاجات والمظاهرات، كانت هبة تنزل إلى الشوارع كل يوم تقريباً، وتتابع عن كثب التطورات السياسية التي أعقبت هرب بن علي من البلد. كما عملت على دعم العديد من الضحايا والنشطاء الذين قدموا إلى تونس من الجهات الداخلية. وبسبب انخراطها في الحراك الاجتماعي والسياسي، تركت هبة في نهاية المطاف دراستها حول العلاج الوظيفي، على الرغم من أنه كانت تفصلها أربعة أشهر عن نهايتها. كما أنها لم تنهي أبداً دورتها التدريبية.

اليوم، تعمل هبة خليفة مع النساء ضحايا الانتهاكات بشكل يومي، مع التركيز بشكل خاص على ربط الصلة بينهن وبين هيئة الحقيقة والكرامة.

وصلت هبة إلى مقر الهيئة في اليوم الذي فتحت فيه أبوابها، وهي متحمسة للعمل مع الضحايا وللحصول على عمل كممثلة لجمعية "تونسيات". في صباح ذلك اليوم، وقفت عند مدخل مقر الهيئة لمدة ثلاث ساعات، وتطوعت للرد على أسئلة ضحايا الانتهاكات حول كيفية الإدلاء بشهاداتهم وتقديم ملفات الشكاوى إلى الهيئة.

كانت علاقة هيئة الحقيقة والكرامة منذ تأسيسها في عام 2014، بالرأي العام محفوفة بالمشاكل. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى خطاب الاستقطاب المسييس الموجه ضد الهيئة الذي تقوده وسائل الإعلام، التي لا تزال خاضعة إلى حد كبير تحت سيطرة لوبيات المصالح السياسية. لكن ذلك يعود أيضاً جزئياً إلى عدم وجود لجنة لوضع استراتيجية شاملة للتواصل والتوعية، التي تركت شرائح واسعة من المجتمع المدني ومن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان على وجه الخصوص، فريسة لمشاعر الإحباط وفي قطيعة مع عمل اللجنة.

ونتيجة لذلك، فإن العديد من التونسيين ما زالوا يجهلون ما يفترض بالهيئة أن تفعله أو كيف ستكون قادرة على إجراء التحقيقات وجمع الشهادات. إن مفهوم "الإيذاء غير المباشر"مثلاً مربك بشكل خاص، حيث يحمل البعض على الاعتقاد بأنه يفترض فقط بالسجناء السياسيين السابقين تقديم ملفات الشكايات إلى الهيئة. ولايزال العديد من الضحايا -وخاصة النساء-يتساءلون عن فوائد المشاركة.

وفقا لهبة يشكك الكثير ممن لم يرو حياتهم تتحسن منذ الثورة في أهمية دور هيئة الحقيقة والكرامة.

تقول هبة "عندما أرى بعد مرور أربع سنوات على الثورة، أن الناس لا يزالون يموتون من البرد والجوع، فإنني أعتقد أنه لا يزال يوجد أمامنا عمل شاق علينا القيام به. لا يمكن الحديث عن [كرامة] المرأة الريفية وهي تحصل على أجرة دولارين ونصف (2.50$) في اليوم الواحد ". مضيفة: "ويقولون: ’حسنا، هل ستوفر لي شيئا أكله؟ وهل ستوفر وظيفة لأولادي؟‘ إنه لأمر مخز أن نتحدث عن الديمقراطية بينما لا يوجد لدى هذه الفئات من الناس ما يأكلونه."

على الرغم من التحديات، لا تزال هبة متفائلة بأنه إذا تمكنت تونس من تفعيل قانون العدالة الانتقالية، فإن الأمور ستتحسن في البلاد.

تقول هبة : "ما زل لدي أمل، ولكن الوضع حرج". وتضيف: "الوقت ينفذ، والضحايا ينتظرون."

(Dalila Yaacoubi)

تويزا: تبادل المهارات من أجل عالم أفضل

عندما يحل غسق الليل على مدينة تونس، تبدأ الأضواء في الاشتعال على طول الأزقة الملتوية وهي ضيقة جدا إلى درجة لا يمكن أن يطلق عليها اسم شوارع. توجد أثار أقدام من الرمل لينة وفضفاضة، تنتفخ عندما توضع قدم عليها وتستقر على الحذاء. ثم يتعالى مواء القطط الضالة من وراء أكوام القمامة المنتشرة في الزوايا، في حين يندفع الأطفال عبر عتبات الأبواب في مجموعات صغيرة. ثم يصدح صوت آذان الصلاة المنبعث من مضخمات الصوت فوق الرؤوس مفزعاً الطيور الجاثمة فوق أعالي أشجار الكروم المزهرة وعلى المصاريع الخشبية الزرقاء اللامعة.

وتبرز المباني الحجرية -ومعظمها بيضاء اللون- وهي تتوهج كلما ازدادت السماء قتامة. وإذا اقتربنا أكثر من وسط المدينة، تصبح المباني الأثرية أكثر وضوحا بسبب تتداعي واجهاتها الحجرية وتساقط قشور الطلاء. وهنا، في قلب مدينة تونس العتيقة، حيث تجد مقر جمعية تويزا TWIZA (كلمة مشتقة من اللهجة البربرية وتعني"ساعد")، وهي واحدة من التجمعات الشبابية الأكثر تقدمية في المدينة التي تستضيف الفعاليات الثقافية وورش العمل.

و" Twizais التويزايس" كلمة بربرية تشير إلى أسلوب حياة يقوم على التقاسم والمشاركة الجماعية. اختار منظمو المجموعة هذا الاسم ليعكس رغبتهم في خلق فضاء حيث يجتمع فيه أكبر عدد ممكن من الناس لتبادل المهارات التي تهدف إلى جعل العالم مكانا أفضل.

يوجد في بهو الباب الأمامي مساحة ضيقة ملئت بالملصقات، حيث تباع بضائع معينة مثل القمصان كمصدر لجمع التبرعات. ويوجد مدرج صغير متعرج يؤدي إلى أعلى حيث تقع ورشة عمل يتدرب فيها على استعمال تقنية الفوتوشوب. يجلس عشرة مشاركين على الوسائد حول حواف الغرفة وهم يحيطون بجهاز عرض الأفلام.

شارك أسامة في تأسيس حركة تستخدم فن الكتابة على الجدران في المطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية. (Your Photo_تصاورك_)

ويبرز بشكل خاص أحد مشاريع هذا التجمع الشبابي. في الطابق السفلي يقوم أسامة بوعجيلة، وهو أحد مؤسسي مجموعة الكتابة على الجدران التي تسمى "الزواولة Zwawla"، بتوضيح الظروف التي أحاطت بنشأتها.  وكما يبين أسامة "الزواولة" هي حركة وليس منظمة، ويصف أعضائها بكونهم مجموعة من الطلاب والفقراء والعاطلين عن العمل. أسامة شاب في العشرينيات من عمره، له هالة من الشعر البني المجعد ويرتدي سروال جينز وحذاء رياضيا، وقميصا رمادي اللون كتبت عليه عبارة "وزارة الرياضة" وتتدلى على صدره صافرة بلاستيكية معلقة بحبل طويل حول عنقه.

يقول أسامة: "بعد انتخابات عام 2011، قررنا إنشاء حركة "الزواولة" وجعلناها فضاء للنقاش حول المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في العالم بواسطة الأشكال الفنية: بالكتابة على الجدران والرقص وفن الراب، والموسيقى بصفة عامة." وفي مرحلة ما، زج بأسامة وصديق له في السجن بسبب كتابات على الجدران في وسط تونس تطالب بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفقراء.

تزايد اهتمام أسامة بالسياسة بعد عام 2011. واليوم، نلمس فيه حبه لمستقبل بلاده، على الرغم من كونه يبدو متضاربا حول مدى الخير الذي أتت به حقا الانتفاضة الشعبية.

يتذكر أسامة قائلا: "بعد الثورة. . ."  ثم يخمد صوته وقد خانته الأفكار. وبعد ذلك يسأل بطرافة: "عن أي ثورة نتحدث؟" مما يعني أن المصطلح الذي يستخدم عادة للإشارة إلى ما حدث في عام 2011 هو سخي جداً.

يقول أسامة إنه يدرك أهمية خلق إطار للمشاركة في الشؤون العامة. إلا أن الحريات السياسية المكتسبة رسميا إلى حد الآن - وهي "المكسب الوحيد" كما يقول - يتم تقويضها بشكل مستمر من قبل الحكومة من خلال حملات القمع التي تشنها على الفنانين والنشطاء.

ويوضح أسامة: "على سبيل المثال، ترى شخصا يتعرض لظلم مباشرة أمامك، ولكنك إذا حاولت تصويره أو التقاط صورة للمشهد، يتوجه إليك شرطي ثم يقذف بآلة التصوير بعيدا محطما إياها، ثم فجأة يتهمك بأنها غلطتك."

منذ سقوط نظام بن علي، تسببت الشعارات السياسية التي يخطها بوعجيلة على الجدران في حدوث مشادات كلامية مع قوات الأمن التونسي. في شهر نوفمبر 2012، ألقي القبض عليه بتهمة نشر الرسائل التي من شأنها تعكير صفو النظام العام بعد أن كتب عبارة "الشعب يريد حقوق الفقراء" على أحد الجدران في مدينة قابس.

"أخذونا إلى المحكمة لأننا طالبنا بحقوق الفقراء، وقد حاولوا وضعنا في السجن لمدة خمس سنوات." في النهاية تمت تبرئته، ولكن لا يزال يواجه غرامة لتشويهه الممتلكات الحكومية.

الحريات السياسية المكتسبة رسميا  - وهي "المكسب الوحيد" - يتم تقويضها بشكل مستمر من قبل الحكومة من خلال حملات القمع التي تشنها على الفنانين والنشطاء.

ويعتقد أسامة أن الصلة بين القيود المفروضة على حقوق التونسيين الجديدة في التعبير وبين العدالة الاقتصادية ذات أهمية حاسمة بالنسبة لمستقبل البلاد بسبب المخاوف الأمنية. يجادل أولئك الذين يدافعون عن العدالة الانتقالية في تونس بأن آلياتها مثل هيئة الحقيقة والكرامة والهيئات الأخرى لمكافحة الفساد في تونس قد أنشئت على وجه التحديد للمساهمة في تحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي في البلاد.

ويعتبر أن الإحباط الشعبي بسبب عجز الحكومة عن توفير فرص العمل يعد نوعا من "العاصفة المثالية" بالنسبة للمتطرفين، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بتجنيد الشباب. ويرى الخبراء أن الكثير من الشباب الذين يعانون من قلة فرص العمل أو من انعدامها هم أكثر عرضة للتطرف، وأن الجماعات المتطرفة تميل إلى الازدهار في المناطق الفقيرة.

تعتبر مخاوف أسامة في محلها ولا سيما في أعقاب الهجومين الإرهابيين الذين أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش ISIS) مسؤوليته عنها في وقت سابق من هذا العام. ذلك أن واحدا وعشرون سائحاً قتلوا في الهجوم على متحف باردو في تونس العاصمة في شهر مارس. في حين أودى الهجوم الثاني الغادر بحياة ثمانية وثلاثين قتيلا على الشاطئ في سوسة في شهر جوان / حزيران.

على الرغم من أن رؤية حركة "الزواولة" ترتبط بشكل وثيق بأهداف العدالة الانتقالية المتمثلة في كشف الحقيقة، ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم يرى أسامة أنه ليس لديه الكثير ليقوله عن هيئة الحقيقة والكرامة. ويضيف مستهجنا: "لم يتم أبدا توضيح مهام الهيئة جيدا في وسائل الإعلام"ن مما يدل مرة أخرى على الفجوة القائمة بين الجهود الرسمية للتحقيق في انتهاكات الماضي بحيث يمكن للمجتمع الجديد والمغاير تجنب تكرارها، وبين أولئك الذين يمثلون مكوناته الأساسية – أي فئة الشباب التونسي.

(Chadha Ben Sliman/ICTJ)

"الالتفاف" على الثورة

في ديسمبر 2014، فاز الباجي قائد السبسي بالانتخابات الرئاسية التونسية على حساب شاغل المنصب محمد المنصف المرزوقي بـ 55.5 في المئة من الأصوات، مما جعل منه أول رئيس للبلاد ينتخب بحرية. وتمت الإشادة بالانتخابات باعتبارها تتويجاً للمسار الانتقالي في تونس واستكمالا للتحول الديمقراطي بعد ثورة 2011، والمصادقة على الدستور الجديد في البلاد، وانجاز الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وقد جادلت ريم القنطري في تقرير حديث أعدته للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، بأن الكثيرين يعتقدون أن الحكومة الجديدة تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لمتابعة إجراءات العدالة الانتقالية، على الرغم من التزامات البلاد بقانون العدالة الانتقالية من أجل المساءلة عن جرائم الماضي.

يوجد نوعان من التشريعات في قلب هذا الجدال ، واحد جديد وواحد مقترح، وهو ما من شأنه أن يهدد بعرقلة الكثير من التقدم الذي تميزت به تونس منذ قيام الثورة.

بعد ثلاثة أيام من المناقشات البرلمانية في شهر جويلية/ يوليو الماضي، تمت المصادقة على قانون "مكافحة الإرهاب" بأغلبية ساحقة، وذلك كرد جزئي على الهجمات التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في وقت سابق من هذا العام.

وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية بشدة هذا القانون، لافتة الانتباه إلى التعريف الفضفاض لمفهومه للإرهاب، نظرا لإباحته للعديد من الأمور التي تخرج عن إطار احترام حقوق الدفاع حيث يسمح القانون بالاحتجاز التحفظي (السابق للمحاكمة) للمشتبه بهم تصل مدته إلى أسبوعين مع الحرمان من مقابلة محام أو أفراد العائلة، وإجراء محاكمات خاصة بحضور شهود سريين (لا تكشف هوياتهم)؛ ويمكن أن يسمح أيضاً بإصدار حكم عقوبة الإعدام في بعض الحالات.

يقول منتقدو هذا القانون إنه يمثل عودة إلى الحكم الاستبدادي.

طفل أمام رسم جرافيتي، تونس العاصمة. (Chadha Ben Sliman/ICTJ)

وتقول ريم: "نحن قلقون بشكل خاص من إصدار قانون مكافحة الإرهاب. نعتقد أنه يحد من مساحة المعارضة العامة، فضلا عن انشغالنا بسبب التشريع المقترح الذي يشار إليه باسم ’قانون المصالحة‘." وتضيف : "إذا سن هذا القانون، فإنه قد يسمح من بين أمور أخرى، للحكومة بالسيطرة على العملية التي يمكن من خلالها منح العفو والحصانة ضد الملاحقة القضائية للموظفين العموميين السابقين المتهمين باختلاس أموال أو بارتكاب جرائم اقتصادية أخرى."

تم عرض قانون "المصالحة" بعد وقت قصير من وقوع هجمات سوسة وهو يحظى بدعم إدارة السبسي. والغرض منه هو ايجاد طريق لمنح العفو والحصانة ضد الملاحقة القضائية للمسؤولين الحكوميين السابقين الذين تورطوا في الجرائم المالية، شريطة أن يعيدوا الأموال المختلسة إلى خزينة الدولة.

يرى المؤيدون لهذا القانون أن أحكامه ضرورية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي في تونس لأنه من شأن أي مقاضاة لمرتكبي هذه الجرائم أن تمنع البلاد من تحقيق التقدم المنشود.

تعتبر نضال حليم هذا القانون "التفافا" على الثورة: "يمثل هذا القانون أكبر دليل على أن الحكومة الحالية والأحزاب السياسية الكبيرة، أي النواب الذين يصدرون القوانين، يحاولون الالتفاف على مطالب ثورة 14 جانفي / يناير." وهي مطالب حقيقية لم يتم الوفاء بها اليوم كما هو الحال منذ ما يقرب من خمس سنوات، مثل محاسبة الفاسدين والقضاء على نظام الفساد وبناء ديمقراطية عادلة وإقامة العدالة الاجتماعية الحقيقية. وتضيف "إن القانون المقترح يتحدى كل هذه المطالب."

إن هذا القانون يؤثر أيضاً بشكل مباشر على عمل هيئة الحقيقة والكرامة، لأنه يتعدى على جزء من اختصاصها الذي يغطي جرائم الفساد والجرائم الاقتصادية، ويضع مستقبل هيئات أخرى لمكافحة الفساد في خطر.

يسمح القانون في جوهره، للمسئولين الفاسدين ورجال الأعمال بالالتفاف على مسار العدالة الانتقالية برمته مما قد يضر بقدرة الهيئة على كشف الحقيقة كاملة عن حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال الفترة الديكتاتورية.

ويوضح أسامة بأن " العديد من التونسيين تخلوا اليوم عن النضال وأن الكثيرين يعتقدون أن مهمتهم انتهت بإجبار زين العابدين بن علي على مغادرة أو بإجراء الانتخابات". ويضيف "واضعو السياسات على علم بذلك، وهم يحاولون أن يجعلوا من عملية صنع القرار حكراً على دائرة النخبة التابعة لهم".

يبدو جلياً أن محاولات تقويض عملية العدالة الانتقالية الجارية والآمال حول معالجة إرث الماضي من تفشي الفساد تترك شعوراً بالغضب والخديعة لدى الشباب.

أسامة هو واحد من مجموعة من الناشطين الذين بدأوا حملة "مانيش مسامح". والتي جاءت في الأصل كرد فعل على قانون "المصالحة"، تقوم هذه الحملة بالتوعية حول مخاطر القانون وتطالب الرئيس بسحبه. يقول أسامة: " نحن لا ننتمي إلى أي حزب سياسي، ولن نتوقف عن النضال حتى يتم حل هذه القضايا."

يبدو جلياً أن محاولات تقويض عملية العدالة الانتقالية الجارية والآمال حول معالجة إرث الماضي من تفشي الفساد تترك شعوراً بالغضب والخديعة لدى الشباب.

يقول أسامة: "تقف الحملة أيضا في مواجهة الأحزاب السياسية التي جاءت بفكرة ’المصالحة‘ والصفح عن جرائم الماضي". ويعتقد أن الفكرة التي تقول أنه يجب أن ننسى الماضي إذا كنا نهتم بالمستقبل هي أسطورة تستخدم من قبل من هم في السلطة من الذين يرغبون في تجنب المساءلة.

جرافيتي لمجموعة الزواولة. ( حملة مانيش مسامح)

يتساءل أسامة ، مشككاً: "كيف يستطيعون القول بأننا لا نهتم بالمستقبل؟". ويجيب: "نحن المستقبل، ونحن هم الذين يجب أن يقرروا مستقبل تونس. نحن لا ننظر إلى الوراء. لكي نمضي قدماً، نحتاج إلى كشف الحقيقة، ثم المساءلة، ثم المصالحة. إن الحكومة ومؤيدوها يستخدمون تلك اللغة لتجنب مسار العدالة الانتقالية."   إن جهود العدالة الانتقالية الحالية، وقانون العدالة الانتقالية، وهيئة الحقيقة والكرامة، ودوائر المحاكم المختصة، جميعهم لديهم القدرة على الوفاء بآمال الشباب، ولكن يجب أن يعزز دورهم بدلاً من التقويض والازدراء. يتردد هذا الرأي في كل حديث.

تقول نضال: "أتساءل دائماً، لماذا لا يمكننا المضي قدما بينما نخضع الفاسدين ومرتكبي الجرائم للمساءلة؟".   وتضيف: "من الواضح أن هذه الحكومة والأحزاب المتحالفة معها لا يريدون هذا. ولكن الشباب سيواصل النضال. نحن في مرحلة بناء؛ بدأت هذه المرحلة عقودا قبل 14 يناير 2011، وسوف تستغرق عقودا أخرى. سواء فزنا أو خسرنا معركة قانون المصالحة، فإن النضال سوف يستمر."

نعود مرة أخرى إلى الحفلة الجماعية التي ينظمها فضاء "مسار" ، فنجد صالح حمودة بصدد التفكير في حالة بلاده ويتساءل ما الذي آلت إليه جهوده وجهود الشباب من مثله الذين خرجوا إلى الشوارع في عام 2011: "ماذا يمكننا أن نقول لأنفسنا؟ أي مساءلة قمنا بها؟ "

يقول صالح "نحن نشعر بأننا نتجه ببطء وتدريجيا نحو نسيان قصة العدالة الانتقالية."

ويستطرد: "نحن نرى المجرمين الذين ثبتت إدانتهم بارتكاب جرائم ضد هذا البلد من السياسيين ورجال الأعمال وأفراد الشرطة. . . لم تتم مساءلة أي منهم. ومع ذلك، فإن القضية لا تتعلق بتحقيق المصالحة على أساس قانون العدالة الانتقالية. المسألة الآن تتعلق "بالوحدة الوطنية"، وكيف يفترض بنا حماية البلاد ضد هجمات الإرهابيين أي "الأعداء ".

بينما يتحدث صالح ، يمكننا سماع مستهل أغنية الراب تنتقد البطء الحالي للعدالة الانتقالية في تونس وهي من إنتاج فضاء "مسار". تمثل الحفلة المقامة في الشوارع مؤشرا واضحا على أنه بواسطة أو بدون مساحة مجتمع مادية، ستواصل الشبكة النابضة بالحياة التي أنشأت في هذا الجزء الصغير من المدينة نشاطها.

وعلى مقربة من المكان، انطلق صوت يغني "الشعب يريد جانفي من جديد".

(Chadha Ben Sliman/ICTJ)