من يقرر التذكر أو النسيان؟

18/5/2016

بقلم مارسي مورسكي، مديرة البرامج بالمركز الدولي للعدالة الانتقالية

في المجتمعات الخارجة من الصراعات العنيفة، سينكر البعض أحداث الماضي بينما سيأكد عليها البعض. ودوما ما يتم النزاع على سرديات وتحليلات حول ما حدث ولماذا (حتى الحقائق الأولية) من خلال الطرق التي يتم مناقشتها وتذكرها من قبل مجموعات مختلفة. هل يعني هذا أن الجهود الرامية إلى التذكر، أو بشكل أكثر تحديدا الجهود المبذولة لفتح منصة واسعة لمناقشة الماضي، بما في ذلك الضحايا أوالأصوات التي قد تم إسكاتها، أو المجموعات التي لا تظهر وجهات نظرها ومصالها في السرديات الرسمية، لن تؤدي إلا لعرقلة المصالحة أو ستؤدي إلى المزيد من الصراع؟

على مدى السنوات ال 40 الماضية أو نحو ذلك، أصبحت الحقيقة - كحق من حقوق الضحايا والمجتمعات - عنصرا هاما في خطاب وممارسة في مجال حقوق الإنسان. مع تأصيلها في اتفاقيات جنيف والتزامات الأطراف في أي نزاع مسلح بتزويد الأسر بكافة المعلومات عن مصير أقاربهم المفقودين، قاد طلب الكشف عن الحقيقة في أمريكا اللاتينية في السبعينات عائلات الذين "أخفوا قسرا" — أولئك الأفراد الذين اعتبرتهم الأنظمة القمعية أعداء، وأخذتهم بعيدا، ولم يروا قط مرة أخرى، ونفت مصائرهم.

خلال هذه الفترة، في أماكن عديدة بعد فترات من الانتهاكات والفظائع الجسيمة لحقوق الإنسان أصبح مطلب الكشف عن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير: ليس فقط بمثابة دعوة للكشف عن وقائع الانتهاكات ذاتها، ولكن أيضا لاستكشاف الأسباب الجذرية للانتهاكات و المظالم التاريخية الكامنة.

بشكل ما، يمكن أن يعد ذلك دعوة لبناء ذاكرة جماعية جديدة، أو ذاكرة تاريخية، تعترف بالأخطاء وتضم أولئك الذين قد تم إخفاؤهم من التاريخ. أو قد يكون مجرد دعوة للتسامح وإفساح مكان على الطاولة لوجهات نظر ورؤى البديلة، في كثير من الأحيان لأشخاص على الهوامش لديهم ذكريات ربما على خلاف مع أولئك الذين في السلطة.

في أي حال، ترتبط المطالبة بالحقيقة بقناعة قوية، مرتكزة على مجموعة من الحجج والحقوق، مسترشدة بأهداف مختلفة وهذا ببساطة لأن النسيان ليس حلا، فلا تبقي الجروح مفتوحة بسبب تذكرها، ولكن بسبب إنكارها أو تجاهلها أو تركها دون أي شكل من أشكال الجبر.

دون شك، بالنسبة للعدالة الانتقالية، والتي تسعى إلى معالجة وتجاوز إرث الإفلات من العقاب بعد الانتهاكات الجماعية، فإن قضايا المطالبة بالحقيقة والإقرار، وتذكرالضحايا تشكل جزءا أساسيا من عملنا نحو بناء مجتمت تحترم الحقوق في وقتنا الحاضر.

ولكن لا يوافق الجميع على هذا. هناك العديد من الذين يقولون أنه من الأفضل طي الصفحة؛ أنه مع نهاية العنف المسلح أو القمع المنهجي،قد يكون الحديث عن الماضي، والإصرار على الاعتراف بارتكاب جرائم وأضرار مثيرا لخطر العودة إلى العنف. هذا المنظور هو في كثير من الأحيان استجابة صادقة لسنوات من الاضطراب، والإرهاق، والخوف، ولكن للأسف، في كثير من الأحيان يتم استخدام هذه الرؤية جهارا من قبل أولئك الذين يتمتعون بنفوذ ويمكن أن يفهم على أنه تهديد مبطن في كثير من الظروف. (بالتأكيد كان هذا هو الحال في شيلي وغواتيمالا وربما اليوم في ميانمار أو أوغندا).

ويرى آخرون أن روايات ثوب الضحية يمكن أن تتطور أو يتم التلاعب بيها لتشكل دعوات للانتقام أو أن الذاكرة الجماعية حول المظالم يمكن استخدامها لتبرير حروب جديدة، حتى بعد قرون. هذا هو بلا شك جزء من السياق الذي نراه في البلقان والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.

لذلك، هناك وجهات نظر مختلفة والكثير للمناقشة. نعتقد أن الحوار مع تدبرات معللة، يثري فهمنا لهذه القضايا المعقدة والقهرية. لقد صغنا هذه المسألة على نطاق واسع:

هل يعرقل التذكر الجماعي للماضي المضطرب المصالحة؟

للحصول على مناقشة نابضة، قمنا بدعوة اثنين من أنصار وجهتي نظر مختلفتين تماما ،ولكن متقاطعة بعض الشيء، لتوضيح وجهات نظرهم.

يمثل موقف "نعم" ديفيد ريف، وهو صحفي مقيم في نيويورك ومؤلف لكتب نشرت على نطاق واسع، حيث غطي خلال 1990s الصراعات في أفريقيا (بوروندي والكونغو وليبيريا ورواندا) والبلقان (البوسنة وكوسوفو)، ووسط آسيا. سوف ينشر كتابه الأخير، في مديح النسيان: الذاكرة التاريخية ومفارقاتها هذا الشهر من قبل مطبعة جامعة ييل. وكانت مقالته الأخيرة في صحيفة الغارديان في الواقع التي أقنعتنا من ملائمة وأهمية تنظيم هذا الحوار. فقد كتب:

"اليوم، تبجل معظم المجتمعات ضرورة التذكر. لقد تم تعليمنا الاعتقاد بأن تذكر الماضي ونتائجه من خلال إحياء الذاكرة التاريخية الجماعية، أحد أعلى الالتزامات الأخلاقية الإنسانية. ولكن ماذا لو كان هذا خطأً، إن لم يكن دائما، على الأقل لبعض الوقت؟ ماذا لو أن الذاكرة التاريخية الجماعية، كما يتم توظيفها في الواقع من قبل المجتمعات والدول، قد أدت في أحيان كثيرة إلى الحرب بدلا من السلام، وللضغينة والاستياء بدلا من المصالحة، وللعزم على الانتقام للمظالم الحقيقية والمدعية بدلا من الالتزام بالعمل الجاد نحو الغفران ".

يتحدث بابلو إلى موقف "لا" ، وهو متخرج من جامعة كولومبيا وممارس للعدالة الانتقالية، ومعين من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام ٢٠١٢ كمقرر الخاص للأمم المتحدة معني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار. وهو حاليا باحث بارز ومدير برنامج العدالة الانتقالية في مركز حقوق الإنسان والعدالة الدولية في كلية الحقوق بجامعة نيويورك. وقبل انضمامه إلى جامعة نيويورك شغل بابلو مدير وحدة الأبحاث في المركز الدولي للعدالة الانتقالية.

كان بابلو واضحا في كتاباته السابقة في وقت سابق أن واجب التذكر ليس تماما يتعلق الماضي، بل يعكس أيضا كما يشرح: “التزامنا الراهن لتذكر ما لا يمكن أن ينساه أخوتنا المواطنين.”

"[إن] 'العمل الجماعي للتذكر" ذا الصلة بالتعامل مع الماضي - و بالعدالة الانتقالية - لهو الذي يجب أن يكون شاملا بما فيه الكفاية ليشمل جميع فئات الانتهاكات التي تم تحديدها في حاجة إلى الإنصاف، بغض النظر عما إذا كانوا ضحايا أم جناة. لا يمكن أن يكون استجابة لانتهاكات طرف واحد في النزاع وليس الآخر ".

آمل أن تشمل تأملاتهما هنا - وتأملاتكم - بعض من المسائل العديدة ذات الصلة التي نمت أيضا من عملي الخاص وملاحظاتي على مدى العقدين الماضيين:

من يقرر عملية التذكر أو النسيان، وهل يحدث هذا فرقا؟ هل الغفران ممكنا من دون الاعتراف بالخطأ؟ هل هناك فرق بين النسيان والإنكار - أو متي يصبح النسيان حرمانا؟ وما الذي نعنيه بالمصالحة، على أية حال؟