فرناندو ترافيسي ونور البجاني
ليست الحرب المندلعة في الشّرق الأوسط حدثًا منعزلًا عمّا سواه؛ بل تجسّد حلقة العنف الممتدّة على 75 عامًا، والحافلة بالمظالم التّاريخيّة والصراعات الجيوسياسيّة والأزمات الإنسانيّة التي لا تزال قائمة منذ عقودٍ طوال. وفي الفصل الأخير من هذه القصّة المأساويّة، أمسى لبنان ميدان المعركة الجديد.
على مرّ عقودٍ طوال، أدّت موجات من العنف المسلّح وأعداد لا تُحصى من العمليّات العسكريّة المرتبطة بالنّزاع القائم مع إسرائيل، إلى زهق عشرات الآلاف من الأرواح، وتدمير البنى التحتيّة الحيويّة، ومفاقمة الأزمة الإنسانيّة والاجتماعيّة السّياسيّة. ففي غزّة التي لا تزال ترزح تحت الحصار منذ 17 عامًا، تدهورت الأوضاع الإنسانيّة إلى حدٍّ مزرٍ منذ أن شنّت إسرائيل حملتها العسكريّة الأخيرة على القطاع شديد الاكتظاظ. فقد دمّرت الغارات الكثيفة المباني السّكنيّة والمدارس ومخيّمات النّازحين والمنشآت الطّبيّة وغيرها من البنى التّحتيّة المدنيّة الأساسيّة، أو ألحقت بها أضرارًا هائلة. وحتّى الآن، قُتل في غزّة 43 ألف شخصٍ على الأقلّ، بمن فيهم نحو 16,765 طفلًا.
بدأت هذه الحملة العسكريّة الأخيرة بعد أن وقع هجوم مُسبق الإعداد في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، قتلَ فيه أفراد من الحركة القتاليّة، حماس، 1,139 شخصًا من إسرائيل، أغلبهم من المدنيين، ومن بينهم أطفال وعُجز. وبعد ساعات من العنف، تراجعت الحركة المسلّحة إلى غزّة، وقد أخذت 267 رهينة. وعلى الرّغم من أنّ الكثير منهم قد أُطلقَ سراحه أو أُنقِذ منذ ذلك الوقت، فإنّ 87 رهينة قد لقت حتفها، ولا تزال 70 رهينة، من بينهم طفلان، في الأسر.
وللأسف، لا يزال العنف الوحشيّ المستمرّ منذ75 سنة آخذًا بالتّفاقم، ويزجّ فيه مجموعات مسلّحة وبلدان أخرى في المنطقة؛ حتّى أمست الحرب الكبرى الشّاملة في الشّرق الأوسط على وشك التّحوّل إلى واقعٍ مرير.
لبنان الذي لا يزال يكابد إرث عنف الماضي -أي الحرب الأهليّة الممتدّة من العام 1975 حتّى العام 1990، والنّزاع اللّبنانيّ الإسرائيليّ والاحتلال الإسرائيليّ، والوجود العسكريّ السّوريّ، وحرب العام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، والاغتيالات السّياسيّة، وانفجار مرفأ بيروت في العام 2020- كان يتخبّط، على مرّ السنوات الأخيرة، في أزمات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة شتّى. واليوم، يواجه البلد الهشّ هذا حربًا ضروسًا جديدة. فقد طال القصف الإسرائيليّ مناطق بعيدة جدًّا عن معاقل حزب الله في جنوب لبنان وفي ضاحية بيروت الجنوبيّة، منها وسط العاصمة وأنحاء أخرى من البلد.
وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن تدمير واسع النّطاق، وعن عواقب وخيمة كثيرة: فحتى تاريخ 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، قُتل حوالي 3000 شخصًا وجُرح أكثر من 13,000 آخرين وهُجِّرَ نحو 1,2 مليون مواطن، أي زهاء 20 في المئة من مجمل عديد السّكّان. وتشير التّقديرات إلى أنّ 850 ألف نازحٍ يعيشون اليوم في ظروف عصيبة، إذ يفتقرون مراكز الإيواء اللّائقة والاحتياجات الأوّليّة والخدمات الأساسيّة.
حسين، طالبٌ في السّنة الثّالثة من كليّة الهندسة، أُرغم على الفرار من القصف الذي استهدف قريته، ولجأ إلى مدرسة في منطقة أخرى من البلد. وفي حديث مع أحد موظّفي المركز الدّوليّ للعدالة الانتقاليّة في بيروت، قال: "إنّ حياتنا تغيّرت كليًّا منذ نزوحنا. وجدنا صعوبة كبيرة في التأقلم على العيش في المدرسة وما زلنا لم نعتَد عليها بعد. الأيام كلّها متشابهة: نأكل ونصلّي ونستحمّ وننتظر الحرب أن تنتهي. ويأتي اليوم التالي كما الذي سبقه. نفتقد بلدتنا، بيتنا، أشياءنا، أحبابنا الذين يبدون بعيدين جدًّا."
لارا، التي رأت بيت طفولتها صُيِّرَ ركامًا، تعبّر، في حديث إلى أحد موظّفي المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة في بيروت، عن إصرارها على العودة وإعادة الإعمار، فتقول: "تسعى إسرائيل، من خلال تسوية المباني أرضًا، إلى محو ذكرياتنا، وبتر تعلّقنا بهذه الأرض التي ننتمي إليها، وإلى جعل وجودنا مستحيلًا، فلا يبقى لنا خيار سوى الرّحيل. لكن، لهذا السّبب تحديدًا سنعود. سنعيد بناء بيوت جديدة، وسننسج ذكريات جديدة."
شهدت الأعوام الماضية هجرة أفواجٍ من اللّبنانيين البلد لأسباب تتعلّق بالأزمات السّياسيّة والاقتصاديّة المستمرّة. واليوم، يهاجر اللّبنانيّون البلد هربًا من الحرب. فلبنان الذي كان، في ما مضى، ملاذ نحو 1,5 مليون سوريّ لجؤوا إليه هرباً من الحرب في سوريا، يراهم الآن يفرّون مجدّدًا مع مواطنين لبنانيّين من حربٍ أخرى، ويعبرون الحدود نحو سوريا، على الرّغم من انعدام الأمن والاستقرار وكثرة المخاطر التي قد يواجهونها هناك.
وفي حين يصارع لبنان وقائع حربٍ جديدة، تُطرح أسئلة حول قدرته على التّصدّي لهذه العواقب الوخيمة وعلى التّعافي منها. وعلى الرّغم من أنّ الجهود التي يبذلها المواطنون العاديّون من أجل تخطّي الأزمة الإنسانيّة كانت ملموسة، لا تزال استجابة الحكومة، حتّى اليوم، غير كافية بسببِ ضآلة الإمكانيّات المتوفّرة، وهو ما يثير مخاوف جديّة حول قدرة الحكومة على تقديم المساعدة الحيويّة وعلى إدارة الأزمة على المدى الطّويل. وقد عُقدَ مؤتمرٌ في فرنسا يوم 24 تشرين الأوّل/ أكتوبر، ضمّ أكثر من 70 دولة ومنظّمة دوليّة، وتعهّدَ بجمع مليار دولار لتمويل المساعدات الإنسانيّة والدّعم العسكريّ في لبنان.
أمّا وقد دمّرت الغارات الإسرائيليّة آلاف البيوت، ونسفَت أحياء كاملة، في ظلّ اقتصادٍ متعثّرٍ أصلًا، يواجه لبنان أيضًا الكثير من التّساؤلات الحرِجة حول إعادة الإعمار وجبر ضرر الضّحايا ونوع المجتمع النّاشئ بعد الحرب. فهل سيقدر لبنان على إيجاد ظروفٍ تشجّع مَن غادروا على العودة؟ وهذه الظّروف قد تشمل تأمين استقرار المشهد السّياسيّ، وتوفير الأمن، وتذليل المصاعب الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ومن الجليّ أن يتطلّب ذلك قدرًا وافرًا من الوقت والجهد، والأهمّ منهما، الإرادة السيّاسيّة العازِمة على إدخال الإصلاح والتغيير الحقيقيّيْن حيّز التّنفيذ.
وتهدّد أزمة النّزوح بمفاقمة الانقسام الطّائفي القائم أساسًا في لبنان، ممّا يؤول إلى وقوع عنف داخليّ. لذا، تمسّ حاجة البلد إلى استراتيجيّات مجدية من شأنها التّخفيف من حدّة هذه التوتّرات الّتي أجّجتها الحملات الدعائيّة السّياسيّة والمعلومات المضلّلة.
ومن الأهميّة بمكان ألّا يُغفل الأثر النّفسيّ البليغ الذي تخلّفه الحرب في الأفراد. وتشرح ذلك الاختصاصيّة النّفسانيّة مايا دبوق لأحد أفراد المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة، فتقول: "تتجلّى الصّدمة الجماعيّة على المستويَيْن الفرديّ والمجتمعيّ. فعلى صعيد المجتمع، قد يتبنّى الأشخاص سلوكًا يُشعرهم بالارتباط بجماعاتهم، وأحيانًا ما يكبحون مشاعرهم كآليةٍ للتّصدّي لها. أمّا على صعيد الفرد، فقد تختلف الاستجابات: بعض الأفراد قد يلجؤون إلى دعمٍ من أهل التّخصّص، في حين قد يكبت الآخرون آلامهم، وللأسف، قد لا يُشفى بعضهم شفاءً تامًّا."
وفي حين تتصارع الأطراف المتنازعة من أجل إحكام السّيطرة على السّرديّة، فتتبادل اللّوم وتشيطن بعضها بعضًا في محاولةٍ لاستقطاب قواعدها والمجتمع الدّولي، من الأهميّة بمكان الإقرار بأنّ روايات تلك الأطراف المتضاربة لا تغيّر واقع المعاناة الإنسانيّة المزري. في الحقيقة، أعداد الضّحايا وشدّة أوجاعهم وفداحة الفظائع تبقى نفسها. فَكثيرون، بصرف النّظر عن الأماكن التي يتحدّرون منها، قد زُهقت أرواحهم، وكثيرون يقاسون جراحًا بليغة، وكثيرون فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وكثيرون حزينون على موت أعزّائهم.
قبل خمسة وسبعين عامًا، وافق العالم على اعتماد اتّفاقيات جنيف التي أرست قواعدَ تحكم كيفيّة تنفيذ الأعمال العدائيّة وحماية المدنيين. وقد انتهكت جميع أطراف النّزاع هذه الاتّفاقيات. فحماس وحزب الله أطلقا صواريخ على إسرائيل، وقد وُجّهت إليهما تهمٌ بوضع المعدّات العسكريّة في مناطق مدنيّة وتعريض المدنيّين العُزّل للخطر، في حين تعمّدت إسرائيل استخدام القوّة العشوائيّة وغير المتكافئة، واستهدفت البنى التّحتيّة المدنيّة، بما فيها المنشآت الطّبيّة والمدارس والمباني السّكنيّة ودور العبادة، كما استهدفت الصّحافيين وقوّات الأمم المتّحدة لحفظ السّلام.
إنّ تجاوز هذه المعايير والقواعد الموضوعة وتجاهل الدعوات والجهود الدّيبلوماسيّة الرّامية إلى إنهاء العنف، لا يفاقمان الأزمة الإنسانيّة فحسب، بل يقوّضان مبادئ الإنسانيّة والمحاسبة الأساسيّة التي تُبنى عليها المجتمعات. لذا، يجب أن تلتزم جميع أطراف النّزاع بهذه المعايير، وأن تفي بتعهداتها القاضية باحترام حياة الإنسان وكرامته والدّفاع عنهما حتّى في زمن الحرب. ومَن ينتهك هذه المبادئ، يجبُ أن يحاسب لأنّ للضّحايا الحقّ في نيل العدالة.
وتُبرزُ الاعتداءات العصيّ وصفها المرتكبة خلال السّنة المنصرمة الحاجةَ الملحّة إلى فهم سياق هذا النّزاع التّاريخيّ وأسبابه الجذريّة فهمًا شاملًا. فما من حلّ عسكريّ ينهي هذا العنف المتمادي الذي حصد أرواحًا كثيرة. ولا يمكن التّوصّل إلى حلول سياسيّة دائمة وإرساء سلام مستدام إلّا عبر معالجة أسباب النّزاع الجذريّة والالتزام المطلق بالقوانين والأنظمة المتّفق عليها دوليًّا التي تحكم عالمنا المُشترك.
من الممكن اليوم خطو الخطوة الأولى نحو أهداف كهذه قابلة التّحقيق على الرّغم من جموحها. ولهذا السّبب، من المهمّ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، أن تتوحّد الصّفوف من أجل وقف إطلاق النّار فورًا في المنطقة، وإطلاق سراح الرّهائن التزامًا بمضامين الاتّفاقيات الدّوليّة، وضمان وصول جميع المحتاجين إلى المساعدات الإنسانيّة من دون عراقيل. وتعدّ هذه الخطوات الأساسيّة ضروريّةً من أجل المضي قدمًا نحو سلام نهائيّ مستدام ومتمحور حول الكرامة الإنسانيّة.
___________
الصورة: بيت طفولة لارا في ضاحية بيروت الجنوبية (في مقدمة الصورة) تحوّل ركامًا بعد غارة إسرائيلية استهدفته في ٢٣ تشرين الأوّل/ أكتوبر ٢٠٢٤. (المركز الدولي للعدالة الانتقالية)