التزامٌ راسخٌ بالعدالة في عصرٍ معادٍ

في عام 2026، سيحتفل المركز الدولي للعدالة الانتقالية بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيسه. وبصفتنا منظمة، فإننا نقترب من هذه المناسبة بفخر وعزيمة حقيقيين، ولكن أيضاً بقلق بالغ إزاء العالم الذي نعيش فيه في هذه اللحظة.

تأسس المركز الدولي للعدالة الانتقالية عام ٢٠٠١ انطلاقاً من قناعة بسيطة ولكنها جذرية: أن المجتمعات الخارجة من براثن العنف والفظائع والحكم الاستبدادي لا يمكنها بناء سلام دائم دون محاسبة على ما حدث. للضحايا الحق في الاعتراف والإنصاف وكشف الحقيقة. إن الإفلات من العقاب ليس ثمناً يستحق الدفع من أجل الاستقرار، بل هو في الواقع الطريق الأكيد للإقصاء والتهميش وتجدد العنف.

لم يتغير هذا اليقين على مر السنين. بل على العكس، جددناه وعززناه يومياً من خلال عملنا في أكثر من 50 دولة وبالتعاون مع مئات الشركاء والمؤسسات ذات التوجهات المشابهة والملتزمة بالعدالة والديمقراطيات الشاملة وحقوق الإنسان للجميع. ما تغير هو البيئة التي نمارس فيها هذا العمل.

إننا نعيش فترة تراجع خطير في سيادة القانون الدولي. فالأطر والمؤسسات متعددة الأطراف، التي أُنشئت، وإن لم تكن مثالية، لبناء السلام وحماية المدنيين ومحاسبة الجناة ودعم العمليات الانتقالية، باتت الآن تحت ضغط شديد، وتواجه تحديات من الحكومات نفسها التي صُممت لتقييدها. وتُستخدم كلمات مثل "العدالة" و"السلام" و"المساءلة" كسلاح، أو تُفرغ من معناها، أو تُهمل ببساطة.

في كثير من الأماكن، تُهمَل أصوات الضحايا في عمليات السلام. وفي أماكن أخرى، تُفكَّك آليات المساءلة قبل أن تُؤتي ثمارها. ونشهد في جميع أنحاء العالم تطبيعًا مُقلقًا للإفلات من العقاب، وهي رسالة واضحة لا لبس فيها مفادها أن من في السلطة فوق القانون.

في هذه الأوقات العصيبة، يُحيي المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه، ولن أدّعي أن الأمر سهل. لكنني تعلمتُ أيضاً، على مدار سنوات عملي الطويلة في هذا المجال، أن لحظات الضغط الشديد غالباً ما تكشف عن عمق الالتزام. ما تؤكده هذه الذكرى الهامة هو وجود مجتمع عالمي من دعاة العدالة يرفضون قبول أن العدالة ترفٌ أو طموحٌ ساذج. هؤلاء الممارسون، والمدافعون عن الحقوق، والضحايا، والباحثون، والمواطنون العاديون، وصناع السياسات، يُدركون أنه بدون الحقيقة والعدالة والمساءلة، لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية أو سلام مستدام.

على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، ساهم المركز الدولي للعدالة الانتقالية في بناء هذا المجتمع، وكان رائداً في مجال العدالة الانتقالية، وذلك من خلال أبحاثه المبتكرة ومبادراته البرنامجية في سياقات متنوعة، وعبر تعزيز ترسيخ ممارسات ومعايير راسخة في جميع أنحاء العالم. لقد دعمنا وعملنا جنباً إلى جنب مع الأشخاص الذين يسعون لتحقيق العدالة تحت ضغوط هائلة، وغالباً ما كان ذلك على حساب تضحيات شخصية كبيرة. وأصررنا باستمرار على أن الضحايا وحقوقهم وتجاربهم يجب أن تكون في صميم أي عملية حقيقية لتحقيق العدالة والمصالحة.

في عام ٢٠٢٦ وما بعده، بات هذا العمل أكثر ضرورة من أي وقت مضى. التحديات التي تنتظرنا حقيقية، لكن عزيمة أولئك الملتزمين بمواجهتها لا تقلّ. أدعو قرّاءنا وشركاءنا وكل من يؤمن بالعدالة المتساوية للجميع إلى مواصلة المشاركة، ومقاومة تطبيع الإفلات من العقاب، ودعم المؤسسات والآليات، وقبل كل شيء، دعم العاملين في الخطوط الأمامية لهذا النضال.

بعد مرور 25 عامًا، أصبحنا قادرين على مواجهة التحديات بواقعية. كما ترسخ إيماننا بإمكانية تحقيق العدالة. وكما يذكرنا مارتن لوثر كينغ جونيور، "إن مسار الكون الأخلاقي طويل، ولكنه ينحني نحو العدالة". لقد علمتنا سنوات العمل الطويلة هذه أن هذا المسار لا ينحني من تلقاء نفسه، بل يتطلب عزيمة الضحايا الذين يرفضون الصمت، وإصرار المدافعين عن الحقوق الذين يواصلون التقدم حتى في ظل غموض الطريق، والعزم الجماعي لمجتمع عالمي يصر على أن المساءلة ليست خيارًا. هذه مهمتنا المشتركة، وهي تستحق كل جهد.
____________
صورة: رسم توضيحي للفنانة تانيا رضوان من كتاب " طواحين الهوى" معروض خلال جلسة قراءة أقيمت في ٢٤ شباط/ فبراير 2024 في الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم في مدينة عاليه في جبل لبنان. يضم الكتاب، الذي شارك في إنتاجه المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قصصًا قصيرة كتبتها 15 امرأة من عائلات المفقودين والمختفين قسرًا في لبنان. (محمد سلمان/المركز الدولي للعدالة الانتقالية)