الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة: كيف يمكن للعدالة الانتقالية مكافحة الفساد

28/08/2020
روبن كارّانزا
Download document

قم بتحميل التقرير الكامل الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة باللغة الإنجليزية هنا.

قم بتحميل التقرير الكامل الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة باللغة العربية هنا.

قم بتحميل مرفق التقرير مع بيانات المتحدثين هنا.

أسبوعان قبل إعلان منظمة الصحة العالمية عن تحول وباء كوفيد-19 إلى جائحة عالمية، نظم المركز الدولي للعدالة الانتقالية بدعم من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتونس (INLUCC) وحكومة جمهورية ألمانيا الاتحادية مؤتمرا بعنوان "الحقيقة والمساءلة واسترداد الأموال المنهوبة: كيف يمكن للعدالة الانتقالية مكافحة الفساد" وذلك على امتداد يومي 2 و3 مارس 2020. مثّل المؤتمر مناسبة للقاء واضعي سياسات وخبراء ونشطاء من المعنيين بالعدالة الانتقالية ومكافحة الفساد من بلدان غامبيا وكينيا وجنوب إفريقيا وأرمينيا بنظرائهم في تونس، كما مكن المؤتمر هذا الطيف المتنوع من القادة من تشارك الحلول حول معضلة شائعة وهي: كيف يمكن للدول الخارجة من الحكم الديكتاتوري أو الحرب أو مرحلة الانتقال السياسي مساءلة الحكام السابقين الفاسدين واسترداد الأموال التي اكتسبوها بطريقة غير مشروعة، وضمان تمكين أولئك الذين تضرروا بشكل أكبر من انتهاكات الحقوق والفساد الواسع النطاق من الوصول إلى العدالة والحصول على جبر ضرر والتغلب على التهميش؟

بالنسبة إلى العديد من البلدان التي تسعى إلى تحقيق العدالة الانتقالية، بما في ذلك تلك التي يمثلها المشاركون في المؤتمر، أدى الأثر الصحي والاقتصادي لجائحة كوفيد-19 إلى جعل مسألة إيجاد وتصميم الحلول التي تعزز المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان وعن الفساد أكثر إلحاحًا. على سبيل المثال، شكك المواطنون في كينيا  في استخدام الحكومة مبلغ 12 مليون دولار من المساعدات المقدمة من البنك الدولي وذات الصلة بـجائحة كوفيد-19، "في ظل وجود تقارير تفيد بأن الإغلاق الذي يهدف إلى الحد من انتشار فيروس كورونا أدى إلى تفاقم الفقر، إلى حد إجبار إحدى الأمهات على طهي الحجارة لحمل أطفالها الثمانية على الاعتقاد بأنها بصدد إعداد الطعام لهم ". في تونس، كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عن وجود 11 حالة شبهة فساد وتضارب مصالح" تتعلق بصفقة حكومية لاقتناء الملايين من الكمامات الطبية. طرح المشاركون في المؤتمر دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تمكين الفساد أثناء الحقب الديكتاتورية أو في تسهيل الاستيلاء على الدولة من خلال الخصخصة. قامت سبع وسبعون مجموعة من منظمات حقوق الإنسان ومكافحة الفساد بشكل مشترك بتذكير صندوق النقد الدولي، الذي قدم قروضا إلى الدول التي ضربتها الجائحة بينما استمر أيضا في اشتراط اعتماد التقشف، بأن "الشفافية والمساءلة تعدان عاملان أساسيان للتأكد من أن الأموال التي يقدمها صندوق النقد الدولي تصرف في الواقع على حماية الأرواح وموارد الرزق".

يقدم هذا التقرير لمحة عامة عن المؤتمر ومناقشات جلساته الخمس. كما يعرض الأسئلة المواضيعية التي طرحت في كل جلسة نقاش ويلخص أقوال المتدخلين وتعليقات وأسئلة مديري المناقشات والأعضاء الآخرين والمشاركين في الاجتماع. اتسمت الفرضية الأساسية للمؤتمر، بحكم تصميمها، بالوضوح: إن الممارسة التي تتبعها دول جنوب الكرة الأرضية بشكل أساسي في إدراج المساءلة عن الفساد في مسارات العدالة الانتقالية قد حسمت الجدل حول ما إذا كانت المساءلة عن الفساد يجب أن تكون جزءًا من العدالة الانتقالية.

في عام 2008، استهلت لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة في كينيا عملها بالتحقيق في الاستيلاء على الأراضي والفساد واسع النطاق وانتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. بعد مضي فترة وجيزة على انتهاء الربيع العربي الذي شهدته سنتا 2011-2012، اتخذت تونس أهم الخطوات عندما أحدثت هيئة الحقيقة والكرامة بعهدة شملت التحقيق في جرائم القمع السياسي العنيف والفساد المرتكبة في عهد الرئيس السابق بن علي. بحثت الهيئة في تقريرها النهائي الذي صدر مؤخراً في حجم الفساد وبينت كيف مكنت من ارتكابه سياسات التنمية وإجراءات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. في عام 2016، أنشأت حكومة ما بعد الديكتاتورية في غامبيا لجنة الحقيقة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان بالإضافة إلى إحداث لجنة تحقيق منفصلة للتحقيق في فساد الديكتاتور السابق يحيى جامع وتحديد ثروته التي جمعها بطريقة غير مشروعة. تعتزم اللجنة الأخيرة حاليا استخدام جزء من تلك الأصول لتمويل برامج جبر الضرر. على الرغم من استبعاد الفساد من عهدة لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا، أنشأ النشطاء في عام 2017 محكمة الشعب الخاصة بالجرائم الاقتصادية التي ربطت استمرارية فساد ما بعد نظام الفصل العنصري بالفشل في معالجته في مسارات العدالة الانتقالية السابقة.

في عام 2018، أنشأت حكومة جنوب إفريقيا بعد ذلك لجنة التحقيق القضائية في مزاعم الاستيلاء على الدولة بغرض التحقيق في جرائم اقتصادية محددة أثناء وبعد نظام الفصل العنصري. بعد ثورة 2018 في أرمينيا التي أنهت عقدًا من الحكم الاستبدادي في دولة ما بعد الحقبة السوفييتية، شرعت الحكومة الجديدة في إجراء ملاحقات قضائية حول الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وهي بصدد النظر حاليا في إحداث لجنة حقيقة من أجل البت في قضايا محددة من الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبين منذ عام 1991.

تم إبلاغ المؤتمر بهذه المسارات، كما ناقش المتدخلون الذين شاركوا فيه بشكل مباشر التحديات والنجاحات والدروس المستفادة. وتتمثل الغاية الأصلية من إعداد هذا التقرير في إبراز أهم الدروس المستفادة من هذه التجارب وتعزيز التبادلات بين بلدان الجنوب حول العدالة الانتقالية والمساءلة عن الفساد. بيد أن الجائحة العالمية غير المسبوقة التي عُقد خلالها المؤتمر منحته غرضًا آخر يتّسم بنفس القدر من الأهمية. وكما أشار المركز الدولي للعدالة الانتقالية في تقرير خاص صدر مؤخراً عن جائحة كوفيد-2019، فإن "الجائحة كشفت الغطاء عن أوجه عدم المساواة الكامنة، بما في ذلك عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية". ومع أخذ ذلك في الحسبان، يأمل المؤلف أن يقدم هذا التقرير أيضًا لصانعي السياسات مقاربات عملية للعدالة الانتقالية يمكن أن تساعد في معالجة أوجه عدم المساواة الكامنة، مثل التدابير التي تهدف إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية للفئات الأكثر ضعفًا، والمبادرات التي ترمي إلى استخدام الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة لتمويل برامج جبر الضرر لفائدة الضحايا.