بكرامتنا: وجهات نظر اللاجئين السوريين في لبنان حول التهجير وظروف العودة والتعايش

12/6/2017

ِريم الَقْنطِري و كريم الُمـْفِتي

يجبُ أن تبدأ الآن المناقشات حول عودة اللاجئين في المستقبل والتعايش بين المجموعات المتصارعة حالياً في سوريا، على الرغم من تحديات استمرار العنف والتشريد. ويُوضح هذا التقرير، الذي يستندُ إلى مقابلات ٍمع اللاجئين، أنّ إعادة إحساس اللاجئين بالكرامة سوف تكون محورية لتهيئة الظروف اللازمة للعودة والتعايش السلمي وبناء سوريا بعد الحرب في يوم ما.

تحميل التقرير الكامل باللغة الإنجليزية هنا.
تحميل الملخص التنفيذي باللغة العربية هنا.

الملخص التنفيذي

لم يسبق لأيّ أزمةٍ إنسانيّة قط أن عاثت تدميرًا وتقسيمًا في المجتمعِ كلّه كما فعلت الأزمة السّوريّة. وهو الأمر الذي يستدعي بذلَ جهودٍ هائِلة من أجل بناء السّلام وإعادة الإعمار، مَتى تمّ التوصّل إلى حل سياسي. فلا شكّ أنّ عودةَ اللّاجئين والمُهجّرين إلى مُجتمعاتهم، وما يترتّب عنها من عمليةَ إعادة بناء لحياتهم وروابطهم الاجتماعية، سواء كانت بين الأفراد والجماعات أو بين المواطنين ومؤسسات الدّولة، ستتخذُ مسارًا طويلًا وشاقًّا ومعقّدًا.

يُشكل تواصل الصّراع واستمرار الانتهاكات والتّهجير واسع النطاق في سوريا سياقًا شائكًا في ما يخصّ إعادة توثيق الروابط الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية. لكن، مَتى وُضعت هذه العمليّة حيّز التّنفيذ، يتحَتَّم أخذُ تجارب الضّحايا ووجهات نظرهم في الحُسبانِ. فمِمّا لا شكّ فيه أنّ الأضرار والخسائر المختلفة التي حَمَلَت الأفراد على ترك بيوتهم ثُمّ أثّرت في حياتهم كلاجئين، وأفضت إلى المُطالبة بتحقيق العدالة، تُلقي بوزرها على قُدرة الضّحايا على إعادة إقامة العلاقات.

إنّ مشاركة اللّاجئين والمُهجّرين وغيرهم من الضّحايا في مُناقشات حول كيفيّة العودة وشكلها في سوريا، هي عمليّةٌ يُمكن الشروعُ فيها في الوقت الرّاهن، على الرّغم من التّحديات التي يفرضها العنف والتهجير المُستمران دونما انقطاع. ويُعدّ هذا المشروع البحثي جُزءًا من العمليّة آنفة الذّكر، وهو يستندُ إلى مُقابلاتٍ أُجريت مع حوالى 40 لاجئًا مُستقرًّا في لبنان وحوالى 25 مُمثلًا عن منظّماتٍ محليّة ودوليّة تُعنى بمسائل تتعلّق بالتّهجير والصّراع في كلٍّ من لبنان وسوريا.

وتجدر الإشارة إلى أنَّه لا يُمكن تعميمُ الاستنتاجات التي خلصَ إليها البحثُ على تجارب اللاجئين السّوريين جميعهم، ذلك لكونِه يعتمدُ على عيّنةٍ محدودة نسبيًّا تقتصرُ على اللاجئين حصرًا ولا تشمل النّازحين داخل الأراضي السّوريّة. ومع ذلك، يُقدّمُ البحث نبذة مفيدة عن تجارب اللّاجئين السوريين في لبنان وعن مخاوفهم وتطلعاتهم وأولويّاتهم في ما يخصّ العودة في المستقبل، وهو ما يستدعي وضع سياسات والقيام بتدخّلات من شأنها أن تدعم عمليّات كهذه. ويُؤمَلُ أن تُقام أبحاث من هذ القبيل على نطاقٍ أوسع يشمل اللّاجئين السّوريين في الأردن وتركيا حيث يستقرّ العدد الأكبر منهم.

يحملُ مصطلح "المُصالحة" بُعدًا حسًّاسًا في أذهان السّوريين، ذلك أنّه يرتبطُ بمصالح نظام الرّئيس السّوري بشّار الأسد، ولا يُشكّل جزءًا من الخطاب العامّ. ومع أنّ مفهوم المُصالحة يُحدد إطار العمل المفهوميّ لمشروع البحث هذا، لَم يأتِ البَاحِثَان على ذكر هذا المُصطلح بحدّ ذاته، إلّا حيثما استعمله اللّاجئون أنفسهم فِي معرضِ المُقابلات. وبينما تكثرُ المُصطلحات التي تنطوي على معانٍ تتعلّق ببناء العلاقات أو إعادة إقامتها، كان مصطلح "التعايش" الأكثر تكرارًا على ألسن المُستجوبين.

أعربَ جٌلّ اللاجئين عن رغبتهم في العودة إلى بلدهم، ولا سيّما إلى مناطقهم ومجتمعاتهم التي ترعرعوا فيها. ففي الواقع، اختارَ الكثير من اللاجئين الاستقرارَ حاليًّا في لبنان تطلعاً إلى الإيجابيّات المَرجوّة من العودة إلى سوريّا يومًا ما. ومِن بَين أولويّات اللاجئين فيما يخصّ العودة، أولويَّتان مُشتركتان هما الأمن والسلام، وهما رهنُ التّوصل إلى حل سياسي من شأنه نزع السّلاح، وتأمين الاستقرار وتوفير المأوى ووسائل كسب العيش بالإضافة إلى إعادة إعمار المنازل وإعادة تأهيل البُنى التّحتيّة والتّعويض عما هُدّم من مُمتلكات وبُيوت، ذلك إلى جانب توفير التّعليم لتعويضِ توقّف الأطفال عن التعلّم، وتوفير الدّعم النّفسي لمُعالجة صدمات الضّحايا النّفسية، وتأمين جمع شملِ العائلات المُتشرذمة التي تَفَرَّقَ أفرادها.

اختلفت وجهات نظر اللاجئين الذين أُجريت معهم المُقابلات، حولَ إمكانيّة إعادة توثيق الروابط الاجتماعيّة أو حول مفهوم التّعايش بحدّ ذاته. إذ يعتقدُ بعضهم أنّ السوريّين سينجحونَ في إعادة توثيق هذه الروابط بعدَ أن يبلغ الصّراع نهايته، في حين ساورَ التّشاؤم بعضهم الآخر حولَ إمكانيّة التّوصل إلى تعايش حقيقيّ وفعليّ، لا سيّما في المُدن الكُبرى. هذا وقد تباينت وجهات نظرهم حولَ مدى الحاجة إلى المُساءلة عن الانتهاكات التي قادت إلى تهجيرهم. فقد وصفَ بعضهم المُحاكمات القضائيّة بأنّها غيرُ واقعيّة أو اعتبرها عمليّةً آيلةً إلى زعزعة الاستقرار، في حين اعتبرها بعضهم الآخر شرطًا لا مناص عنه من أجل عودتهم وإعادة بناء العلاقات.

لعلّ أحد التطوّرات الإيجابيةّ التي لُوحِظَت بين صفوفِ اللاجئين في لبنان هوَ انخراطُ الكثير من الشّباب في المنظّمات المدنيّة المحليّة والدوليّة التي أتاحت لهم فرصَ توظيفٍ وتطوّعٍ أكسَبَتْهُم مهاراتٍ تتعلقُ بالنّشاط المدنيّ والمُساعدة والوساطة وحلّ النّزاع والدّعم النّفسي؛ مهاراتٌ من شأنها أن تُساهم في إحلال التّعايش عندَ عودتهم إلى سوريا.


لاجئة سورية من إدلب وابنها المُعاق يعيشان في وادي البقاع اللبناني. 30 يناير/ كانون الثاني 2017 (DFID)

التوصيات

صحيحٌ أنّ عمليّات العودة ترتبطُ، أوّلًا وأخيرًا، بإيجاد حلٍّ سياسيّ لإنهاء الصّراع في سوريا، إلّا أنه من الممكن اليومَ اتّخاذ جملة من الخُطواتٍ التي من شأنها أن تنعكس إيجابًا على عمليّة العودة والتّعايش في المُستقبل. وتشملُ هذه الخُطوات، على سبيل الذّكر لا الحصر:

  • إدراجُ وجهات نظر اللاجئين في المُناقشات والسّياسات التي تتطرّق إلى ظروف العودة. فقد بَيَّنت الدّراسات المُقارَنة أنّ العمليّات الاستشاريّة والتّشاركيّة، ولا سيمّا تلك المناطة بالشأن العام، تؤدّي في أغلب الأحيان إلى وضعِ سياساتٍ تحظَى بمقبوليّة أكبر، وإلى اتّخاذِ قراراتٍ تُراعِي السّياق السّائد، الأمر الذي يُسهّل تنفيذها على أرض الواقع.

  • دعم المسارات المجتمعية المُؤثِّرة في مجالي العودة والتّعايش. فمثلا يعد تأمين الدعم النفسي، ولا سيما للأطفال، واحداً من جملة التدخلات التي يمكن تنفيذها في الوقت الحالي وتؤثّرُ إيجابًا في عمليّة العودة وإعادة إقامة الروابط المجتمعية في المستقبل.

  • مُناهضة العنف الجنسي والعنف الجندري واستغلال النّساء وزواج الأطفال. يُفترض من المنظمات الدّوليّة ومنظّمات المجتمع المدني، مدعومةً من المجتمع الدّولي، أن تُساهمَ في تمكين النّساء وتعليم الفتيات وزيادة الوعي بين العائلات السّوريّة، بغيةَ الحدّ من المُمارسات آنفة الذّكر وحماية النّساء والفتيات على اعتبارهنّ عناصر أساسيّة في إعادة بناء سوريا في المستقبل.

  • توفير الدّعم التّربوي. فالأطفال هم أكبر الخاسرين في الحرب المستعرة في سوريا، ذلك أنّهم كانوا، ولا يزالون، يعانون مشاكلَ نفسيّة، تُضافُ إليها مشاكلٌ ناتجة عن وضع أهاليهم على الصّعيدين الاجتماعيّ والاقتصاديّ. ولذا يجدرُ بكلٍّ من المجتمع الدّولي والدّول التي تستقبل اللّاجئين أن تدعمَ الأنشطةَ التربوية التي تُنظّمها منظّمات المجتمع المدني.

  • استرداد المُمتلكات والأراضي. هذه المسألةَ تكتسبُ أهميّة كُبرى في موضوع العودة وإعادة بناء الروابط بين المُجتمعات، لا سيّما أنّ المخاطر الحقيقية التي تُهدّدُ بالمُصادرة الدائمة للممتلكات والأراضي تُفضِي إلى توتّراتٍ جديدة وتُقوِّضُ إحلال السّلام الاجتماعيّ. وعليه فمن الأساسي أن يُدرجَ استرداد الأراضي ضمن أيّ عمليّة تؤدي إلى حلّ أزمة التّهجير.

  • تعزيز التّفاعل بين الجماعات. يجب أن يُعزّزَ التّفاعل بين مختلف المجموعات والجماعات (مع التّركيز على الأطفال والشّباب والنّساء) ذلك كي تُعمّمَ ثقافة الاحترام المتبادل وتّقبّل الآخر وكي يوضع حدٌّ لِتفاقم العنف الطّائفي ومنع تكرارِه في المُستقبل.

  • دعم الجهود البحثية في المُستقبل. لأجل التوصّل إلى إحاطةٍ أفضلَ وأشملَ بتجارب اللّاجئين السّوريين ووجهات نظرهم حيالَ العودة والتّعايش، تُرفع توصية للجهات المانحة بدعمِ أبحاثٍ مُماثلة في تركيا والأردن والدّول الأوروبيّة.

تاريخ النشر: 
12/6/2017
النوع: