دراسةٌ جديدة للمركز الدَّوْليّ للعدالة الانتقالية: الأمن وترميمُ الكرَامة شرطان أسَاسِيّان لعودة اللاجئين السُوريين في لبنان

12/6/2017

بيروت، 12 يونيو / حزيران 2017 — يَدفعُ تقرير جديدٌ صادر عن المركز الدَّوْليّ للعدالة الانتقالية بأن المناقشات بخصوص عودة اللاجئين وتعايشهم في المستقبل بين المجموعات المتصارعة حالياً في سوريا يجبُ أن تبدأ الآن، على الرغم من تحديات استمرار العنف والتشريد. يُوضح التقرير أنّ إعادة إحساس اللاجئين بالكرامة سوف تكون محورية لتهيئة الظروف اللازمة للعودة والتعايش السلمي وبناء سوريا بعد الحرب في يوم ما.

يستندُ التقرير البحثي المُؤلّف من 60 صفحة، بعنوان " بكرامتنا: وجهات نظر اللاجئين السوريين في لبنان حول التهجير وظروف العودة والتعايش"، إلى مقابلاتٍ مع لاجئين سوريين مقيمين في لبنان، فضلاً عن منظمات تعملُ على قضايا تتعلق بالنزوح السوري إلى لبنان وتركيا. يتيحُ التقرير نافذة مهمة على تجارب اللاجئين الذين فرّوا إلى لبنان ومخاوفهم وتوقعاتهم وأولوياتهم بخصوص عودتهم إلى سوريا ذات يوم و"التعايش جنباً إلى جنب" مع أولئك الذين قد يتم الآن نَعَتهم كأعداء ومُعْتَدٍين، إن وعندما يحينُ الوقت.

فرّ أكثر من7 ملايين شخص في سوريا من منازلهم للوصول إلى مناطق أكثر أمناً داخل البلد. وعبر نحو 4.3 ملايين شخص الحدود الدولية لطلب اللجوء، وخاصة في تركيا ولبنان والأردن المجاورين.

غالبيةُ اللاجئين السوريين الذين تمّت مُقابلتهم من أجل التقرير يرغبون في العودة إلى تلك المنازل والأماكن التي كانوا يعيشون فيها. لكن نظراً لوحشية الحرب وحقيقة استمرارها لسنوات عديدة، فسوف يكون التغلب على الانقسامات وإعادة بناء العلاقات وكذلك استعادة الأراضي والممتلكات وَعِراً.

قالت ريم القنطري، المؤلفة المشاركة للتقرير والمديرة السابقة لمكتبي المركز الدَّوْليّ للعدالة الانتقالية في تونس ونيبال: "ستكون إعادة بناء حياة وعلاقات اللاّجئين والنازحين داخليّا مرة أخرى في سوريا عملية طويلة ومُعقدة. ومعظم اللاجئين الذين تحدثنا إليهم أقرّوا بذلك". وأضافت: "لكن عندما تبدأ عملية العودة وإعادة الإعمار في يوم من الأيّام، سيكون من المهمّ أن تؤخذ تجارب ووجهات نظر الضحايا، بمن فيهم اللاجئون، بعين الاعتبار".

وجدت الدراسة أنّ أولويات اللاجئين السوريين في لبنان لأجلِ العودة تتضمَّن: الأمن، والمأوى، وسبل العيش، وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية، واستعادة الممتلكات المفقودة، والتعليم للشباب، والدعم النفسي الاجتماعي، ولمّ شمل الأسر.

تفاوتت الآراء على نطاق واسع بشأنِ إمكانية إعادة بناء العلاقات ذات يوم والتعايش السلمي مع المجموعات الأخرى في سوريا. البعض يعتقدُ أن السوريين مستعدون لإعادة بناء العلاقات بمجرد انتهاء الصراع بينما كان البعض الآخر أقلّ تفاؤلاً. قال لاجئ عمره 35 عاماً من حمص: "أُعطي كل ما أملك مقابل العودة والعيش معاً مرة أخرى. ولكن ابن عمي هو سلفيّ الآن. سيكون من الصعب التعايش معه. . . هؤلاء الذين مثله تغيروا. لا يمكننا العيش بجوارهم بعد الآن".

كان شعور اللاجئين بالخسارة وحاجتهم إلى ترميم كرامتهم أمراً شائعاً في المقابلات.

ويقول كريم المفتي، أستاذ مشارك في القانون الدولي ومدير العيادة القانونية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة الحكمة في بيروت، وأحد مؤلفي الدراسة: "لقد واجه اللاجئون السوريون معاناة رهيبة، من فقدان أفراد من الأسرة، هدم المنازل، هروبهم الشاق من سوريا، كما الإذلال اليومي والتمييز الذي يعيشونه في لبنان؛ كل هذه التجارب أدت بالناس أن يشعروا بإهلاك كرامتهم بالكامل".
مضيفاً: "لذا، فعلى الكرامة أن تشكل عنصراً أساسياً في عملية إعادة بناء الروابط المجتمعية في سوريا ما بعد الحرب، لاسيما بين الناس وبين الجماعات، كما يجب أن تتمحور الكرامة في قلب عملية إعادة البناء التي تربط المواطنين والدولة".

من المُرَجِّحٌ أن يكون للأخطار والخسائر التي أجبرَت السوريين على الفرار من منازلهم في المقام الأول- فضلاً عن مطالبات العدالة الناجمة عنها- تأثير كبير على قدرتهم على بناء أو إعادة بناء العلاقات بطرقٍ تساعد على منع العنف من الحدوث مرة أخرى.

ومع ذلك، يظنّ الكثيرون أنّ العدالة الجنائية ستكون خياراً بعيد المنال في سوريا بعد الحرب، مع قلق البعض من أن تُجدّد الإجراءات الجنائية التوترات. وتبنّى العديد وجهة نظر دينية: "العدالة لن تأتي إلا من الله"، قال لاجئ فلسطيني سوري يبلغ من العمر 47 عاماً يعيش في مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان. مضيفاً: "سوف نغفر لأن الله يُمكن أن يغفر. نريد ان نعيش بسلام".

ويأمل آخرون في أن يخضعَ أولئك الذين شاركوا في الأعمال الوحشية للمساءلة الجِنائية، مع أنّ معظمهم يفتقرُ إلى الثقة في النظام القضائي السوري ويُفضّل المحاكم القبلية أو محكمة عربية أو المؤسسات الدولية للقيام بأي ملاحقات قضائية.

قد يُمثّل اللاجئون الشباب أملاً في إعادة بناء العلاقات يوماً ما وزيادة التسامح في سوريا بعد الحرب. تًعلّم بعضهم مهارات جديدة في النشاط المدنيّ والوساطة في النزاعات من العمل مع المنظّمات غير الربحية، وطوّر العديد منهم إحساساً جديداً بالانفتاح تجاه أشخاصاً من مختلف الأديان والثقافات ووجهات النظر - وكلها ستكون مفيدة لبناء دولة سورٌية مستقرة بعد الحرب.

وبينما يعترفُ التقرير بأن أيّ عائد مستقبلي يتوقفُ على التوصّل أولاً إلى حل سياسي للنزاع، وهو ما يبدو بعيداً الآن، فهو يُقدم عدّة توصياتٍ بشأن الخطوات التي يُمكن اتخاذها الآن لتحسين إمكانية التعايش السلمي في سوريا ذات يوم. ويشملُ ذلك إدماج آراء اللاجئين بشأن ظروف العودة ودعم الجهود المحلّية التي يُتَوَقَّع أن تساعد على استعادة شعور اللاجئين بالكرامة. كما يدعو التقرير كذلك إلى التصدي لاستغلال النساء وزيادة المساعدة التعليمية للأطفال ووضع حدٍ لزواج الأطفال.

تم تمويل البحث والتقرير من قبل وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة.

للتواصل

ريم القنطري، المؤلفة المشاركة للتقرير والمديرة السابقة لمكتبي المركز الدَّوْليّ للعدالة الانتقالية في تونس ونيبال.
بريد الكنروني: RElGantri@ictj.org


الصورة: لاجئون سوريون في عرسال، لبنان، قبل أيام من فرار أكثر من 1000 عائلة بعد تزايد القتال على الجانب السوري من الحدود، تشرين الثاني / نوفمبر 2013. (M. Hofer/UNHCR)