إنصاف المخفيين قسراً هو في صميم العدالة الانتقالية

بينما يحتفل العالم باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في الثلاثين من أغسطس/آب، نتذكر أن الاختفاء القسري والعدالة الانتقالية يجمعهما تاريخ مشترك؛ بل إن العوامل والمساعي المتضافرة التي بلورت مجال العدالة الانتقالية إنما انبثقت هي نفسها عن السعي لاستجلاء الحقيقة وتحقيق العدالة بشأن المخفيين.

03/09/2012

بينما يحتفل العالم باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في الثلاثين من أغسطس/آب، نتذكر أن الاختفاء القسري والعدالة الانتقالية يجمعهما تاريخ مشترك؛ بل إن العوامل والمساعي المتضافرة التي بلورت مجال العدالة الانتقالية إنما انبثقت هي نفسها عن السعي لاستجلاء الحقيقة وتحقيق العدالة بشأن المخفيين.

تبدأ القصة في أمريكا الجنوبية، حيث عمدت أنظمة الحكم الديكتاتورية – مثل الطغمة العسكرية في كل من الأرجنتين وتشيلي – إلى استخدام الاختفاء القسري كأداة لتكميم أفواه المعارضة السياسية والسيطرة عليها. فكان الأفراد يُختطَفون وهم سائرون في الشوارع، أو يُجَرون جراً من بيوتهم في منتصف الليل وهم في ثياب نومهم، أو يسحبون من وسط جموع المتظاهرين؛ ثم لا يُعثر على أثر لهم بعد ذلك.

وبعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية، ظل مصير المفقودين والمختفين هاجساً يلاحق بلداناً مثل تشيلي وهندوراس وغواتيمالا وغيرها. وكانت النساء في طليعة الساعين للبحث عن الحقيقة بشأن أحبائهن المفقودين. ففي الأرجنتين، خرجت مئات الناشطات من حركة "أمهات ساحة مايو" في مسيرة حاشدة، وهن يرتدين أوشحتهن البيضاء المميزة ويرفعن صور أقاربهن المفقودين، احتجاجاً على امتناع الحكومة عن الكشف عن أماكن ذويهن في أعقاب ما يعرف بـ"الحرب القذرة".

كثيراً ما قامت الحكومات المستبدة بحجب السجلات بمختلف أنواعها عن الجمهور طيلة عقود طويلة، ولكنها لم تتمكن من تجاهل الأصوات التي تطالب بإصرار وإلحاح بالكشف عن الحقيقة. وأنشئت لجان الحقيقة لإرساء سجل تاريخي للصراعات، وتوثيق شهادات العائلات التي تمزق شملها بسبب حالات الاختفاء وغيره من الانتهاكات. ولم تلبث إجراءات البحث عن الحقيقة هذه أن أصبحت نماذج تحتذيها بلدان أخرى لا تحصى.

لكن الكشف عن الحقيقة لم يكن كافياً بالنسبة للكثيرين عندما تبين لهم أن مرتكبي تلك الفظائع لم ينالوا أي عقاب. فممارسة الحكومة للاختفاء القسري اقتضى تخطيطاً محكماً من جانب أفراد يعملون بداخلها؛ وقد صدق خبير الطب الشرعي الأنثروبولجي البيروفي بابلو بارايبار إذ قال إن أحداً "لا يختفي من تلقاء ذاته وحسب".

ولم يكن السعي لتحقيق المحاسبة الجنائية في حالات الاختفاء القسري سهلاً على الإطلاق؛ فكثيراً ما كان أولئك الذين يتحملون المسؤولية النهائية عن سياسات الاختفاء هم من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وعادة ما ما يحرص مهندسو هذه السياسات من كبار المسؤولين على طمس أي سجلات لحالات الاختطاف بغية التملص من مسؤوليتهم عنها.

"وأمام المحاكم الدولية والوطنية في مختلف أنحاء العالم مَثُلَ الجناة الذين أمروا بحالات الاختفاء أو نفذوها باعتبارها وسيلة للإرهاب أو أداة مروعة للحرب"
    غير أن هذا المجال شهد أشواطاً مهمة من التقدم منذ الاختراق الذي وقع عام 1988 عندما قضت محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان بأن حكومة هندوراس تتحمل المسؤولية عن اختفاء الزعيم الطلابي مانفريدو فيلاسكويز الذي تسببت أجهزة الأمن في اختفائه. وأُخضع المزيد من الجناة للمحاسبة بعد إلغاء قوانين العفو التي كانت تكفل لهم الحماية من قبل.

وبالرغم من أن أوغستو بينوشيه قد توفي قبل انتهاء محاكمته، فقد وُجِّه إليه الاتهام رسمياً في عام 2004 بسبب دوره في عمليات الاختطاف والاختفاء في تشيلي، كما أدين ميغيل أوزفالدو إتشيكولاتس، وهو أحد كبار ضباط الشرطة الأرجنتينية، وحُكم عليه بالسجن المؤبد لدوره في حالات الاختطاف.

وأمام المحاكم الدولية والوطنية في مختلف أنحاء العالم مَثُلَ الجناة الذين أمروا بحالات الاختفاء أو نفذوها باعتبارها وسيلة للإرهاب أو أداة مروعة للحرب. وكان أحدث أحكام الإدانة الصادرة في مثل هذه القضايا هو الحكم الصادر في الأسبوع الماضي ضد أحد مسؤولي الشرطة الغواتيمالية، وهو بيدرو غارسيا أريدوندو الذي أدين بجرائم حرب بسبب دوره في عمليات الاختطاف التي جرت إبان الحرب خلال الفترة بين عامي 1960 و1996.

ولا شك أن التصدي لآثار حالات الاختفاء على مجتمع ما يحدد بوضوح مبادئ الحقيقة والمحاسبة التي تدفع عجلة العدالة الانتقالية؛ فلكي تمضي قدماً، عليك أن تأخذ الماضي بعين الاعتبار.

تساعد العدالة الانتقالية المجتمعات على معالجة إرث حالات الاختفاء بصورة شاملة من خلال إنشاء سجلات للمفقودين، والسعي لتحقيق المحاسبة الجنائية للجناة، واستعادة ثقة الجماهير في المؤسسات، وإصدار التعويضات لعائلات المفقودين.

وفي هذا اليوم الدولي للضحايا الاختفاء القسري، يضم المركز الدولي للعدالة الانتقالية صوته لأصوات شركائه في التأكيد مجدداً على أن حالات الاختفاء القسري هي انتهاك جوهري لحقوق الإنسان الأساسية وللقانون الدولي، ولا بد من التنديد العلني بها أينما كانت، ورفض أي حجج تساق لتبريرها. ولا بد من محاسبة مهندسي مثل هذه السياسات، وتفكيك أنظمة الإفلات من العقاب التي تحيطها بستار من السرية.

واحتفالاً بهذا اليوم، يتأمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في العمل الذي قام به بالاشتراك مع المجتمعات المحلية في ثلاثة بلدان من أجل التصدي لإرث الماضي من حالات الاختفاء في كل منها من خلال تدابير العدالة الانتقالية، والبلدان الثلاثة هي: نيبال، لبنان وقبرص.

نيبال

خلف الصراع في نيبال الذي دام عقداً كاملاً من الزمان، من 1996 إلى 2006، كماً هائلاً من المعاناة؛ ووفقاً لفريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أوغير الطوعي، فقد سُجِّل في نيبال بين عامي 2003 و2004 أكبر عدد من حالات الاختفاء المبلغ عنها في العالم.

وقد شهدت حالات الاختفاء القسري تصاعداً بالغاً بعد عام 2001، عندما دفعت الحكومة بقوات جيشها للقيام بعمليات مكافحة التمرد ضد المقاتلين الماويين. غير أن حالات الاختفاء القسري لم تكن حكراً على الحملة الحكومية، فقد كانت قوات المتمردين الماويين هي الأخرى مسؤولة عن حالات اختفاء قسري ضد المشتبه في كونهم مخبرين يعملون مع الحكومة، أو "أعداء للثورة". واستجابة للضغوط الدولية والوطنية للتصدي لإرث حالات الاختفاء، أنشأت الحكومة النيبالية لجاناً للتحقيق لتحديد مكان المفقودين     Image removed.

شُكِّلت أول لجنة للتحقيق في يوليو/تموز 2004 استجابة لإضراب عن الطعام نظمه أهالي المفقودين. ونشرت اللجنة أماكن 320 شخصاً على وجه الإجمال، ولكنها لم تذكر أي أسماء للجناة، ولم تذهب إلى حد التوصية بأي إجراءات قضائية ذات بال.

وقد قام القضاء بأول تحقيقات في حالات الاختفاء عام 2006 عن طريق إنشاء فريق عمل خاص للتحقيق بشأن المعتقلين. في أغسطس/آب 2007، أصدرت المحكمة العليا النيبالية أمراً قضائياً بأن تقدم الحكومة تعويضات نقدية لثلاث وثمانين من عائلات الأشخاص الذين تعرضوا للاختفاء القسري على يد الحكومة، وأن تصدر الحكومة قانوناً يجرِّم الاختفاء القسري، وتشكل لجنة للتحقيق مع المسؤولين عن ذلك ومقاضاتهم.

وبالرغم من هذه المبادرات والإجراءات التي اتخذتها السلطتان القضائية والتنفيذية، لم يتم تحريك أي دعوى قضائية بشأن حالات الاختفاء للتصدي لهذه الجريمة.

شارك المركز الدولي للعدالة الانتقالية بحماس في أنشطة المناصرة التشريعية لدعم القوانين والتشريعات التي تتعامل مع حالات الاختفاء. وفي عام 2008، قدم المركز تعليقاته لوزارة السلام والتعمير حول مختلف مسودات مشروع القانون الخاص بالاختفاء القسري (الجريمة والعقاب) لسنة 2008، ودعا إلى جعل مشروع القانون متماشياً مع المعايير الدولية. كما قدم المركز الدولي للعدالة الانتقالية تعليقاته على مرسوم حالات الاختفاء الذي أصدره الماويون من جانب واحد. وفضلاً عن ذلك، قدم المركز خبراته بشأن التعويضات إلى الوزارة، ولا يزال يرصد عن كثب التطورات المتعلقة بالحقيقة والمحاسبة بشأن المفقودين.

لبنان

بالرغم من أن الحروب المتتالية في لبنان قد وضعت أوزارها رسمياً عام 1990، فإن البلاد لم تعالج بشكل جدي قضية المفقودين وحالات الاختفاء القسري؛ ولا يزال مصير الآلاف من الضحايا طي المجهول، ولا يعرف أهاليهم مكانهم حتى الآن. وورد أن نحو 17000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين، وقد تم التعرف على عدة مقابر جماعية منذ عام 2005.

في شباط/فبراير 2012، اقترحت عائلات المفقودين مشروع قانون بشأن المفقودين والمخفيين قسراً؛ وتماشياً مع الحق في معرفة الحقيقة، وهو حق أساسي تقره المعايير الدولية، يقترح القانون إنشاء معهد وطني للتحقيق في مصير المفقودين والمخفيين.

وضعت لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان ولجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين (سوليد) الصيغة النهائية للمسودة في أعقاب مشاورات أجرتها مع المنظمات غير الحكومية المحلية منها والدولية، ومن بينها المركز الدولي للعدالة الانتقالية، فضلاً عن الخبراء القانونيين وخبراء العمل الجنائي والنشطاء والقضاة والقانونيين.

Image removed.     قد شارك المركز الدولي للعدالة الانتقالية مشاركة مكثفة في المشاورات التي تركزت على الاقتراح الوارد في مشروع القانون، وشارك في تنظيم اجتماع طاولة مستديرة في فبراير/شباط 2012، لمواصلة النقاش حول مآل مشروع القانون، ووضع استراتيجية للمناصرة وحشد التأييد له، وإثارة مزيد من النقاش حول هذه القضية في أوساط الرأي العام.

والواقع أن هذه الرحلة بدأت في يونيو/حزيران 2010، عندما قام المركز ، بالاشتراك مع منظمة "فريدريش إيبرت شتيفتونغ"، بتنظيم زيارة للبوسنة والهرسك لخمسة عشر من المهتمين بقضية المفقودين، من بينهم القضاة والنواب والممثلون الوزاريون، ونشطاء المنظمات غير الحكومية، وأهالي المفقودين. وفي أعقاب هذه الرحلة التي مكنت الزائرين من اكتساب فهم عميق للتجربة البوسنية في مجال البحث عن المفقودين، بدأت لجنة قانونية في بحث المفاهيم المتعلقة بمسودة قانون ملائم للنظام القانوني اللبناني، يعكس مطالب الأهالي.

وكان المركز الدولي للعدالة الانتقالية قد شارك من قبل، في عام 2009، في أبحاث مستفيضة حول التقاضي الاستراتيجي بشأن "الحق في المعرفة"؛ وأسهمت جهود المركز في صدور قرار من أحد قضاة بيروت يقضي بالسماح للعائلات بالاطلاع على تقرير غير منشور حول المفقودين أُعد عام 2000.

وبالرغم من الصمت المطبق من جانب الحكومة، بذل أعضاء مجلس النواب ووزير العدل جهداً آخر في هذا الصدد مؤخراً، إذ قاموا في إبريل/نيسان 2012 بصياغة مسودة مرسوم يقضي بإنشاء هيئة وطنية مستقلة لضحايا الاختفاء القسري؛ ولكن المرسوم لم يتم إقراره، ولا يزال مصير آلاف المفقودين طي المجهول.

قبرص

مني القبارصة بالنزوح والاختفاء والانقسامات والخلافات الطويلة الأمد على مدى عدة عقود. فقد اختفى أكثر من 1000 من القبارصة اليونانيين والمئات من القبارصة الأتراك في قبرص إبان أحداث العنف التي شهدتها البلاد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

وفي عام 1981، أنشأت الأمم المتحدة "لجنة المفقودين" المكلفة بالتحقيق في جميع حالات المفقودين المتعلقة بالصراع؛ وحتى فبراير/شباط 2011، قامت اللجنة باستعادة رفات أكثر من 760 شخصاً، والتعرف على هوية رفات 263 شخصاً، وإعادته إلى أهاليهم.

عمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في قبرص منذ مارس/آذار 2009، بهدف مساعدة المجتمع المدني والجماعات المعنية بالضحايا في التصدي لماضي العنف الذي شهدته الجزيرة.

ونبشت مواقع المقابر الجماعية، وأقيمت النصب التذكارية من أجل المفقودين؛ ولكن المربين والمعلمين الراغبين في معالجة مخلفات هذا الماضي في الفصول الدراسية يفتقرون إلى الأدوات الكافية لتعليم طلابهم وتوعيتهم بشأن حالات الاختفاء.

وقد اشترك المركز الدولي للعدالة الانتقالية مع "مؤسسة ألدرز"، و"جمعية الحوار والبحث التاريخي" في إعداد حزمة من المواد التعليمية للمعلمين بعنوان: "التفكير في المفقودين من منظور تاريخي: دليل للمعلمين".”     Image removed.

وتقول كريستالا ياكينثو، من المركز الدولي للعدالة الانتقالية التي شاركت في تأليف الدليل، إن هذا الدليل لم يسبق له مثيل؛ مشيرة إلى أنه "مشروع ريادي عالمي يربط بين التعليم وقضية المفقودين".

وأضافت ياكينثو قائلة "ليست هناك على حد علمنا أي مواد تعليمية في أي مكان في العالم تتناول قضية المفقودين والمختفين، وهو أمر جدير بالملاحظة لأن هناك مفقودين ومختفين في كل مكان".

ومن خلال روابط الكترونية، ومقاطع من الأفلام، وقصاصات الصحف، تسعى هذه الحزمة التعليمية لحفز القارئ على التفكير التاريخي من خلال تطبيق مهارات ومفاهيم التعليم التاريخي على قضية المفقودين. فالمهارات والمفاهيم المستمدة من تدريس التاريخ تساعد المعلمين على تناول قضية مشحونة بالعواطف والانفعالات مثل قضية المفقودين.

صورة الغلاف: معرض "المختفين" في دونوستيا كولتورا، للمصور الفوتوغرافي المرموق غيرفازيو سانشيز. صورة بعدسة إنييغو رويو.