تقرير برنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية – تونس

منذ الانتفاضة التي اندلعت في "الربيع العربي"، أثبت التونسيون الالتزام الثابت بالعدالة الانتقالية. قبل الثورة في عام 2011، كانت تونس في ظل حكم الرئيس زين العابدين بن علي الذي تولى السلطة في عام 1987، والذي أبقى على السلطة من خلال السياسات الأمنية القمعية الهادفة إلى قمع معارضة الحكومة: وفقاً للمعلومات حتى الآن، هناك أكثر من عشرة آلاف شخص اعتقل بشكل تعسفي أثناء فترة حكمه.

04/06/2014

منذ الانتفاضة التي اندلعت في "الربيع العربي"، أثبت التونسيون الالتزام الثابت بالعدالة الانتقالية. قبل الثورة في عام 2011، كانت تونس في ظل حكم الرئيس زين العابدين بن علي الذي تولى السلطة في عام 1987، والذي أبقى على السلطة من خلال السياسات الأمنية القمعية الهادفة إلى قمع معارضة الحكومة: وفقاً للمعلومات حتى الآن، هناك أكثر من عشرة آلاف شخص اعتقل بشكل تعسفي أثناء فترة حكمه.

انتهت عدة أسابيع من الاحتجاجات التي بدأت في ديسمبر/كانون الاول عام 2010 مع إسقاط بن علي في يناير/كانون الثاني 2011، عندما فرّ بن علي من البلاد. جرت الانتخابات الديمقراطية والشفافة الأولى في تونس في 23 اكتوبر/تشرين الأول عام 2011، واعتمد الدستور الجديد في يناير/كانون الثاني عام 2014. في ديسمبر/كانون الاول عام 2013، مررت تونس قانون العدالة الانتقالية الريادي، الذي حدد اتباع نهج شامل لضمان الحقيقة والعدالة عن انتهاكات الماضي، والتعامل مع المحاكمات، والتعويضات، والإصلاح المؤسساتي. كما أنشأ القانون لجنة الحقيقة والكرامة، وهي الهيئة التي شكلت للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في البلاد منذ عام 1955، والتي أطلقت رسمياً من قبل الرئيس المرزوقي.

في هذا التقرير لبرنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية، نتحدث مع ريم القنطري، مديرة مكتب تونس، حول هذا التغيير الحاصل ما بعد الثورة في تونس. قبيل إطلاق هيئة الحقيقة والكرامة، تشرح ريم القنطري كيف أن البلاد تستعد لمواجهة الحقيقة وتحقيق العدالة لماض من التهميش الاقتصادي والعنف المستهدف والقمع السياسي.


منذ الإطاحة بنظام بن علي عام 2011، عكف المجلس الوطني التأسيسي التونسي ووزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ومنظمات المجتمع المدني على إصدار قانون تاريخي وريادي للعدالة الانتقالية يضع خطة شاملة للتعامل مع إرث انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في الماضي. فما هو شكل آليات العدالة الانتقالية التي تجري صياغتها في هذا البلد؟ وما الدور الذي لعبه المركز الدولي للعدالة الانتقالية؟

كانت ثورة 14 يناير/ كانون الثاني من عام 2011 مؤشراً على إرادة الشعب التونسي لإنهاء 23 عاماً من الاضطهاد والدكتاتورية. وكانت تلك الإرادة مقرونة برغبة ليس في مواجهة الماضي ومعرفة الحقيقة وتضميد جراح ضحايا النظام السابق وحسب، بل ولضمان محاسبة النظام أيضاً عن الانتهاكات التي وقعت.

بعد قيام الثورة، شُكلت لجنتان لتقصي الحقائق، هما: اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات التي ارتُكبت أثناء الأحداث الأخيرة (منذ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010) واللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، هذا إلى جانب اللجنة الوطنية لاستعادة الأصول المهربة إلى الخارج.

وتم رفع دعاوى قضائية عديدة أيضاً ضد المتورطين في الفساد والرشوة، بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان ذات الصلة بالثورة. بالمقابل، صدر عفو عن الأشخاص الذين اعتقلهم النظام السابق بسبب مزاعم بممارسة أنشطة تخريبية كالانتماء إلى جمعيات سياسية والتظاهر، وما إلى ذلك. وأُعطيت تعويضات محدودة لضحايا الدكتاتورية ومن بينهم شهداء وجرحى الثورة. بالإضافة إلى ذلك، صادقت السلطات على العديد من الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من كل هذه الخطوات، كان واضحاً أن هذا البلد بحاجة إلى مجموعة من آليات العدالة الانتقالية ابتداءً بآليات تقصي الحقائق وحتى إصلاح المؤسسات. بيد أن مفهوم العدالة الانتقالية لم يكن معروفاً إلا قليلا وكان يُنظر إليه على أنه موضوع نخبوي.

وكان المركز الدولي للعدالة الانتقالية أحد أوائل المنظمات التي نظمت مؤتمراً للتعريف بمفهوم العدالة الانتقالية في أبريل/ نيسان 2011، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المفتوح (OSF) ومكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والمعهد العربي لحقوق الإنسان، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وواصل المركز دعمه لمنظمات المجتمع المدني في جهودها الرامية إلى إنشاء عملية للعدالة الانتقالية، حيث قدم لها المعلومات الإرشادية والخبرة في أنشطة كسب التأييد التي نظمتها هذه الجماعات وغير ذلك من الأنشطة التي كانت ترمي إلى تحريك الإرادة السياسية لصالح قيام عملية رسمية للعدالة الانتقالية. وقبل إنشاء وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، اقترح العديد من منظمات المجتمع المدني مشاريع قوانين تعبِّر عن وجهة نظرها بشأن الكيفية التي ينبغي بها القيام بذلك.

وشارك المركز في العديد من المشاورات بين منظمات المجتمع المدني ووزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية عند إنشائها في يناير/ كانون الثاني عام 2012. وقد قررت الوزارة إطلاق عملية تشاورية وطنية حول العدالة الانتقالية بهدف التوصل إلى رؤية مشتركة تعكس رؤى الضحايا ونشطاء حقوق الإنسان وتعبِّر عن احتياجاتهم. ودعمت الحكومة التونسية، من جانبها، هذا النهج التشاركي وتمت صياغة المسودة الأولى من القانون وتقديمها إلى وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2012.

Image removed.

في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2013، صوت المجلس الوطني التأسيسي في تونس بالموافقة بالإجماع تقريباً على قانون العدالة الانتقالية، مما يعد تطوراً تاريخياً في المنطقة مثلما هو بالنسبة لتحول تونس نحو المجتمع الديمقراطي. ما السبب في استحداث هذا القانون، وماذا يُنظّم؟

عمَد القائمون على صياغة الدستور المؤقت لتونس –وهم مندوبون عن المجلس الوطني التأسيسي- إلى صياغة هذا الدستور المؤقت فور الانتهاء من انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011. وبفضل جهود التوعية وحشد التأييد التي قامت بها منظمات المجتمع المدني، بات هؤلاء مدركين لأهمية العدالة الانتقالية كأداة لمساعدة المجتمع في التعامل مع الماضي التونسي. وقد نصّ الفصل 24 من الدستور، في الواقع، على أن "يسن المجلس الوطني التأسيسي قانونا أساسياً ينظم العدالة الانتقالية ويضبط أسسها ومجال اختصاصها". وهكذا، أصبح هناك التزام بسن قانون يرسم مخطط عملية العدالة الانتقالية في تونس.

وفي هذه الأثناء، كان من الواضح أن التدابير المرتجلة التي اتُخذت بعد الثورة –كلجان تقصي الحقائق والجهود المتعلقة بتعويض شهداء الثورة ومن أُصيبوا فيها- لم تستجب تماماً لاحتياجات الضحايا أو المواطنين الآخرين وحقوقهم. وباتت الحاجة إلى نهج شامل للعدالة الانتقالية أكثر بروزاً بعد انطلاق الحوار الوطني التونسي الذي كشفت نقاشاته عن المدى الذي يريد التونسيون الذهاب إليه في سرد الحقيقة بشأن الماضي، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة لاسيما مؤسسة القضاء.

وأثمرت المشاورات المكثفة في مختلف أنحاء البلاد عن صدور قانون طموح للعدالة الانتقالية في تونس: إذ ارتأى القانون إنشاء هيئة للحقيقة وصندوقاً للتعويضات ولجنة لفحص أهلية الموظفين، بالإضافة إلى دوائر قانونية متخصصة للتحقيق في قضايا الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان والبت فيها قضائياً.

من الجوانب التي تكتسب أهمية خاصة في هذا القانون أنه بالإضافة إلى تعامله مع انتهاكات حقوق الإنسان التي تشكل تعدياً على الحقوق المدنية والسياسية، فإنه يتصدى للانتهاكات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كانت أساس ثورتنا.

كان المركز الدولي للعدالة الانتقالية خلال هذه الفترة موجوداً داخل تونس حيث قدم المشورة للذين يسعون إلى إنشاء التركيبة الصحيحة من تدابير العدالة الانتقالية. ومن خلال دوره في لجنة دعم اللجنة الفنية، ساند المركز فكرة أن تستحدث الدولة نهجاً متكاملاً تجاه العدالة الانتقالية. ومن بين الجوانب التي أكدنا عليها أن إنشاء هيئة الحقيقة وحده لن يكون كافياً؛ إذ أن المساءلة والتعويضات وإصلاح المؤسسات ستكون أمراً أساسياً لتحقيق التحول في تونس..

Image removed.

كما ذكرتم، عمل قانون العدالة الانتقالية على إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة التي يُنتظر منها أن تكون عملية تشاركية تقوم بجمع شهادات المواطنين من مختلف أنحاء البلاد. وقد تم مؤخراً الإعلان عن أسماء أعضاء الهيئة وسيتم تدشينها رسمياً الأسبوع المقبل. ما العمل الذي أُسند إلى هيئة الحقيقة هذه، وكيف يمكن للمركز الدولي للعدالة الانتقالية أن يدعم جهودها؟

ستقوم هيئة الحقيقة والكرامة بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة والمنظمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة أو جماعات أو أفراد تصرفوا باسم الدولة وتحت حمايتها. تُجرى هذه التحقيقات من أجل الكشف عن حقيقة ما حدث خلال الفترة من 1 يوليو/ تموز 1955 وحتى تاريخ صدور القانون.

هذه الهيئة مستقلة وتبلغ مدة صلاحيتها أربع سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة تصل إلى سنة واحدة، وبمقدورها العمل في أي مكان على الأراضي التونسية. وعلى الرغم من اعتقاد التونسيين بأن لديهم فكرة أولية عما حدث خلال 50 سنة من الاستبداد، إلا أن لديهم تعطش ورغبة في معرفة ما حدث بالضبط ولماذا حدث وأخذ فكرة عن الجناة المختبئين وآليات الاضطهاد.

جاءت عملية اختيار أعضاء الهيئة عقب الإعلان عن القانون. فقد أُنشأت لجنة للاختيار من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي ومن ثم نُشرت دعوة للترشيح في يناير/ كانون الثاني 2014. وقد تم الإعلان عن أسماء أعضاء الهيئة أوائل مايو/ أيار.

يواصل المركز لعب دور نشط في هذه العملية. وقد قمنا بإعداد مذكرة حول اختيار أعضاء الهيئة وأفضل الممارسات التي تستند إلى التجارب المقارنة. ثم عقد خبيران جلسة حول هذا الموضوع مع مندوبين عن الهيئة. كما زودنا المندوبين باستراتيجية للتواصل، وهي استراتيجية تشدد على أهمية مشاركة جميع التونسيين في العملية وشعورهم بملكيتها. ونحن نأمل أن يكون المجلس الوطني التأسيسي متمتعاً بالصلاحيات التي تمكنه من الوفاء بتطلعات الشعب التونسي. ويخطط المركز الدولي للعدالة الانتقالية لدعم المجلس التأسيسي عن طريق تزويده بالمساعدة الفنية والخبرات من خلال الدروس المستفادة من عملنا الميداني في بلدان أخرى.

Image removed.

يعمل قانون العدالة الانتقالية الجديد في أحد جوانبه على تشكيل صندوق للتعويضات يدعى "صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد". هل هناك أية برامج تعويضات جار العمل بها في تونس، وإن كان هناك أية برامج فمن هم المستحقون لتعويضاتها؟

جرى تنفيذ العديد من الإجراءات الارتجالية منذ قيام الثورة. ومنحت التعويضات للمستفيدين من العفو العام (السجناء السياسيين خلال عهد نظام بن علي) ولأسر الشهداء والأشخاص الذين أُصيبوا بجروح أثناء الثورة. وبالإضافة إلى هذه التعويضات المالية، اتخذت إجراءات أخرى من قبيل الخدمات الطبية المجانية وخدمات المواصلات المجانية والمعاشات التقاعدية الشهرية للمصابين وأهالي شهداء الثورة.

غير أن هذه الإجراءات لم تستجب لمطالب جميع ضحايا الدكتاتورية، لأنه يتوجب على المرء أن يثبت أنه ضحية كي يحصل على هذه المزايا. وقد تمخض عن ذلك عدم تكافؤ في إمكانية الحصول على هذه الامتيازات إذ أن بعض الأشخاص الذين اعتُقلوا وعُذبوا لا يمتلكون دليلاً على ذلك. وتعرضت العملية للنقد أيضاً لأن الكثيرين يعتقدون أن التعويض لا يتناسب مع الأذى الذي عانى منه الضحايا.

هذا هو السبب وراء ضرورة وجود سياسة تعويضات شاملة وهذا هو السبب الذي دعا قانون العدالة الانتقالية إلى إنشاء صندوق للتعويضات. يعني ذلك أن ثمة حاجة إلى إجراء تقييم لما تم تطبيقه حتى الآن من أجل تزويد الضحايا بحلول أكثر ملاءمة. يشرع المركز حالياً في نقاش حول التعويضات الجماعية استجابة للتهميش في تونس. وكما يعلم معظم الناس، تعرض العديد من المناطق في تونس للتهميش والقمع عن عمد من قبل الأنظمة السابقة، وكانت هذه المناطق أولى المناطق التي اشتعلت فيها شرارة الثورة مطالبة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية.

Image removed.

تعد الانتهاكات بحق النساء محوراً لكثير من القضايا التي ستتطرق إليها هيئة الحقيقة والكرامة. ويقر قانون العدالة الانتقالية الجديد بأن النساء كنَّ –ولا يزلن- عرضة بصورة خاصة للانتهاكات وأن التعامل مع احتياجاتهن يستلزم تدابير محددة. في غضون ذلك، من الضروري أن تكون المرأة قادرة على المشاركة في الأدوار السياسية كي تضمن إسماع صوتها في عملية يهيمن عليها الذكور. هل لك أن توضح الكيفية التي يحمي بها القانون الجديد حقوق المرأة ويلعب دوراً فاعلاً في عملية الحقيقة والمصالحة؟

كما تقول، يجب على هيئة الحقيقة والكرامة -طبقاً للقانون، وفي جهدٍ الغاية منه كشف الحقيقة- أن تنظر في التجارب المحددة للفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع والانتهاكات المرتكبة ضدها، وهي: كبار السن والنساء والأطفال وأصحاب الإعاقات وغيرها من الجماعات المعرضة.

بموجب القانون، يجب أن لا تقل نسبة تمثيل أي من الجنسين في عضوية الهيئة عن الثلث، ومعنى ذلك أن 5 على الأقل من أعضاء الهيئة (إن لم يكن أكثر) يجب أن يكونوا من النساء. وهذا الإجراء يقع في صالح تمثيل المرأة ويتوافق مع الدستور التونسي الجديد القائم على مبادئ المساواة والتكافؤ. وسوف يسهم هذا الإجراء في ضمان الاستماع إلى صوت المرأة، كما أنه سيشكل دافعاً يحفز الضحايا من الإناث على التكلم.

غير أن المركز الدولي للعدالة الانتقالية يعتقد أن ضمان حقوق النساء من خلال الإقرار بأنهن يشكلن جماعة معرضة للانتهاكات، غير كاف بحد ذاته. لقد عانت النساء في تونس من أنواع معينة من العنف وسوء المعاملة والتهميش التي كانت تستهدفهن لكونهن نساء، وتضمنت هذه الأنواع التعذيب والعنف الجنسي والاغتصاب. كما أن إقصاء المرأة من الحياة المدنية والسياسية أثر بشدة على وضعها الاقتصادي نظراً لحرمانها من فرص العمل والتعليم بسبب قناعاتها الدينية.

هناك قدر كبير من العمل يجب القيام به من أجل التعامل مع انتهاكات الماضي بحق المرأة. فمن أجل ضمان المشاركة الفعالة للنساء والناشطين المناصرين لحقوق المرأة، نفذ المركز أنشطة لبناء القدرات بهدف التأكد من أن هذه العملية الجديدة لا تخلو من راصدين ومراقبين. إننا نعتبر تمثيل المرأة في هيئة الحقيقة والكرامة خطوة أولى إيجابية.

Image removed.

بعد الثورة، فرّ الرئيس السابق زين العابدين بن علي من البلاد. وهو يعيش اليوم في الخفاء في السعودية. وقد أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في الكاف بتونس حكماً غيابياً على بن علي بالسجن المؤبد بتهمة المشاركة في القتل. ما نوع الجهود القائمة في تونس لضمان محاسبة أعضاء النظام المخلوع؟ هل انخرط المركز في قضايا العدالة الجنائية؟

ما أن بزغ فجر الثورة حتى كان العديد من الدعاوى القضائية قد أقيم بالفعل أمام محاكم عسكرية عن جرائم ارتُكبت خلال الثورة وأمام المحاكم المدنية عن جرائم فساد.

ولكن، بعد قيام الثورة، انتظر ضحايا النظام السابق الذين عانوا من أضرار كالتعذيب أو السجن غير القانوني إلى أن أُقرَّ قانون العدالة الانتقالية كي يتوجهوا إلى المحاكم. يتيح القانون إنشاء دوائر قضائية مختصة يُعهد إليها بالنظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كما حددته الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس.

ينبغي لي أن أذكر أن المركز حث النواب بقوة، أثناء الجلسات التي عقدناها في المجلس الوطني التأسيسي، على عدم تسليم السلطات القضائية في القضايا التي تنطوي على انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان إلى محاكم عسكرية، مذكراً السلطات بأن مثل هذه القضايا ينبغي النظر فيه من خلال القضاء الجنائي المدني.

وقد تم تشكيل لجنة تفكير بشأن هذه الدوائر القضائية، في وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية حيث سيقوم المركز بتقديم المساعدة الفنية لأعضاء هذه اللجنة من خلال خبرائنا في مجال العدالة الجنائية.

Image removed.

نحن نذكر أن شاباً هو من أشعل نار الثورة التونسية، وهو محمد البوعزيزي، الذي أقدم على إنهاء حياته احتجاجاً على ظلم الشرطة والانحطاط الاقتصادي الذي كان يعاني منه مجتمعة المحلي. بأية طريقة، باعتقادك، استفادت العملية الانتقالية من الدور الفعال الذي لعبه الشباب قبل سقوط نظام بن علي ومنذ سقوطه للآن؟ وكيف يمكن لتونس إشراك الشباب عبر آليات العدالة الانتقالية التي سيجري تطبيقها، وما هي الطريقة التي سيساعد بها المركز هذه العلمية؟

لقد لعب الشباب التونسي دوراً هائلاً قبل سقوط نظام بن علي وخلال الفترة التي أعقبته. فالشباب التونسي ساعد، في الحقيقة، في إطلاق شرارة الثورة وساعد في عبورها إلى بر النجاح وخاصة عن طريق استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، وبشكل بارز الفيسبوك، وكان الشباب أول الجماعات التي تظاهرت في الشوارع منادية بالحرية من النظام السابق ومطالبة بأن تنحى البلاد منحى جديداً. وشهدت البلاد إنجاز الشباب لما لم تتمكن النخبة التونسية ومعارضي النظام من إنجازه في العقود السابقة. ولعب هؤلاء الشباب الناشطون أيضاً دوراً بعد الثورة مباشرة –ليس من أجل إنشاء مجلس وطني تأسيسي فقط، بل ومن أجل تنظيم أول انتخابات ديمقراطية وحرة في تونس.

ولا يزال الشباب يرقبون عملية التحول الديمقراطي من خلال نشاطهم في منظمات المجتمع المدني، وكذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات. ونحن نتوقع أن يستمر دورهم الفعال مع شروع البلاد بتطبيق آليات انتقالية مادية. أعتقد أن العدالة الانتقالية ككل لا تزال موضوع نقاش ينحصر في أناس من عمر معين. غير أنك إن نظرت بعمق في المجتمع التونسي، ستجد شباباً يطالبون بالحقيقة فيما يتعلق بما حدث في الماضي والمساءلة عن الجرائم التي وقعت خلال الثورة وقبلها وإدانة الإفلات من العقاب وإصلاح مؤسسات الدولة. بعبارة أخرى، إنهم يتحدثون عن العدالة الانتقالية.

إن المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ومن خلال أنشطته في تونس، يعكف حالياً على تحليل الكيفية التي يمكن بها لجهود العدالة الانتقالية الجديدة في تونس أن تعمل على إشراك الشباب في عمله.

Image removed.

من خلال النظرة إلى المستقبل، ما هو الشكل الذي سيكون عليه عمل المركز في هذا البلد؟

سيواصل المركز الدولي للعدالة الانتقالية دعم أصحاب المصلحة في الجهود التي تبذلها تونس لمواجهة ماضيها من القمع. سوف نحشد التأييد لقيام علمية متكاملة وتشاركية مع التركيز على هيئة الحقيقة والكرامة مع شروع هذه المؤسسة في علمها، حيث سيتم تدشين هذه الهيئة رسمياً في تونس الأسبوع القادم وسوف يتواجد المركز هناك بصفته منظمة مستقلة من أجل تقديم جلسات تدريبية لأعضاء الهيئة. وسيكون أمام الهيئة مهلة ستة أشهر لإعداد نظامها الداخلي، وبالتالي فإننا نعمل على تحضير المساعدة التي سنقدمها للهيئة خلال هذه المرحلة الفنية والمهمة.

سنقوم أيضاً بدعم منظمات المجتمع المدني لنتأكد من أنها قادرة على ممارسة دور الحارس لهذه العملية. ونحن في معرض تنظيم العمل حول الدوائر القضائية المتخصصة وسنواصل إعطاء الأولوية لبناء العلاقات مع الإعلام المحلي مع مضي عملية العدالة الانتقالية قُدماً.


الصور، من الأعلى: مظاهرة فرنسية لدعم البوعزيزي، "بطل تونس" 15 يناير/كانون الثاني 2011 (/ANW/Flicrk)؛ محاكاة للتصويت عقدت في مدرسة في تونس بهدف الرصد والتحقق من آلية التصويت التي ستجرى في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 (EuropeanParliament/Flickr)؛ التونسيون يشاركون في احتجاج مطالبين الحزب الحاكم السابق، التجمع الدستوري الديمقراطي، بالانسحاب من الحكومة المؤقتة التي شكلت في تونس، تونس، 19 يناير/ كانون الثاني 2011 (ناصر نوري/Flickr)؛ امرأة أمام المبنى حيث أضرم محمد البوعزيزي، بائع الفاكهة، النار في نفسه احتجاجا على مضايقات من قبل المسؤولين المحليين في سيدي بوزيد، تونس، 13 ديسمبر/كانون الأول 2011 (ديفيد مونتليوني/VII)؛ مشهد في مدينة، 2007 (فيتوريا سيوسا/Flickr)؛ أفراد أسر أولئك الذين قتلوا خلال الثورة التونسية 2011، يرددون هتافات خلال تجمع في 16 أبريل/نيسان 2014، أمام المجلس الوطني التأسيسي في العاصمة تونس احتجاجا على الأحكام المتساهلة من قبل المحكمة عسكرية ضد مسؤولين سابقين من نظام بن علي (فتحي بلعاد/Getty Images)؛ فرقة الهيب هوب التونسية، أرمادا بزرتا، تقوم بأداء حي في حفل "أفريقيا تحتفل الديمقراطية" تونس، تونس، نوفمبر/تشرين الثاني 2011 (مؤسسة مو ابراهيم/Flickr)؛ تونسيون يحتفلون بذكرى الثورة، 2014 (مغربية/Flickr)