نساءٌ لبنانيات يناضلْنَ للعثور على أقاربهنّ المفقودين بعد مرور نصف قرن على اندلاع الحرب الأهلية

29/09/2025

أندريا لوبيز- توماس

فردوس آغا تبحثُ عن وجهٍ لا تعرفه، على الرّغم من أنَّ ملامحه تُشبِه ملامحها. فمنذ نعومة أظافرها، لا يغيبُ هذا الوجه عن ذهنها، لكنَّها لا تستطيعُ استحضار كلّ تقاسيمه: لا سيّما تلك العينَيْن اللتيْن توقّفتا عن النظرِ إليها قبل 43 عامًا؛ بلونهما العسليّ، تمامًا مثل عينَيْها. هاتان العينان نفسهما تلمعان حين تتحدّثُ فردوس عن فضائل ذاك الرجل الذي تلاشت صورته من الذاكرة. لم يرحل هذا الرجل، بل انتُزِعَ منها. ولم يعُد إليها حتّى هذه اللحظة. حَدَثَ ذلك في خضمّ الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تعرف نهايةً. ومنذ ذلك الحين، يبحثُ أفراد أسرة الآغا عن والدهم وقد مضَى على ذلك أكثر من أربعة عقود. هذا الصيّاد البسيط هو واحدٌ من حصيلةٍ مؤلِمة بلغت 17,425 شخصًا أُخفوا أو خُطِفوا في ظلّ حربٍ أهلية طويلة وقاسية دامت 15 عامًا ولم تُكتَب لآلامِها نهايةٌ. في عام 2025، وبعد انقضاء نصف قرن على اندلاع شرارة الحرب، ما زالَت جراحٌ كثيرة تنزف بمرارة.

تتذكَّر فردوس والدَها نزيه قائلةً: "لم يكن له أيّ انتماء سياسي، لا شيء على الإطلاق، ثمّ اختفى". وتُضيفُ بحسرةٍ أثناءَ مقابلةٍ أُجرِيَت معها في مكاتب "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" في بيروت: "مرّت 43 سنة ونحنُ لا نعلمُ شيئًا عنه". بالكاد تستطيع تذكّره. يستحيلُ عليها أن تستحضرَ صورةَ والدِها بوضوح إذ كانَ عمرُها لا يتجاوز عامَيْن ونصف العام حين غابَ عنها. وعَجِزَ أشقّاؤها الأربعة عن استيعاب ما حصل. في ذلك الوقت، كانَ أصغرُهم في الرابعة من العمر فقط. أمّا والدتهم الشابّة، التي لم يتعدَّ عمرها 24 عامًا آنذاك، فخاضَت معركةً تتبنّاها فردوس اليوم بعزمٍ لا يعرف الكلل. فتقولُ فردوس لمُراسِل هذه الصحيفة: "أشعرُ أنَّني، من خلال كلّ ما أقوم به في اللجنة، أتحدّثُ بصوتِ والدي المُغيَّب".

قضيةٌ تعني الجميع 

استغرقت أصواتُهم عقودًا طويلة حتّى بدأت تُسمَع. ولغاية الآن، لا تُعطى مَطالِبُهم الأهمّية التي تستحقُّها - على الأقلّ في أروقة السياسة اللبنانية. وقد أعادت ذكرى مرور 50 عامًا على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في ربيع عام 1975 هذا الملفّ العالق إلى الواجهة مجدّدًا. تشرحُ وداد حلواني، مُؤسِّسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، ورئيستها "أنَّ هذه القضية هي الوحيدة التي تجمع الطوائف كلّها، لأنَّ أُسَر المفقودين تُمثِّل جميع الطوائف، وجميع الأديان، وجميع المناطق، وجميع الانتماءات الفكرية والسياسية في لبنان". يقوم بلد الأرز على نظامٍ متعدّد الطوائف يعترف رسميًا بـ 18 طائفة دينية مُوزَّعة على مختلف المناطق، وتتقاسم السلطة بينها.

وتُضيف حلواني: "لهذا السبب، وبالرغم من تعدُّد الروايات التاريخية التي تسردها كلّ طائفة لتفسير الحرب الأهلية، فإنَّ هذه القضية تخصُّ الجميع: فالكلّ مَعنيّ بها، والكلّ يتحمّل مسؤولية إيجاد حلّ لها". عندما تُعرِّفُ عن نفسها، تَستخدِم اسمَها العائلي قبل الزواج: وداد مراد. ولكنْ، سرعان ما يَظهَر في قصّة حياتها اسمُ زوجها عدنان، "حبيبها" ووالد أبنائها، ذاك الوجه الذي لم تره إلّا في الصور خلال السنوات الـ 43 الماضية. تغيّرت حياة وداد رأسًا على عقب عشيّةَ يومٍ من شهر أيلول/سبتمبر من عام 1982. لحقت بالرجلَيْن المسلّحَيْن اللذين أخذا زوجها من منزلهما في بيروت إلى الباب الخارجي. قالا لها: "سنُرجِعه خلال خمس دقائق". ولم تره مجدّدًا منذ تلك اللحظة.

مسيرةٌ تنتقل من الأمهات إلى البنات

لم تترك بابًا إلّا وطرقته في سبيل العثور عليه، وكانَ الجميع – أي "المسؤولون الحكوميون، والأحزاب السياسية، والجهات الرسمية" - يُبدون لها التعاطف. "أعربوا عن أسفهم وقالوا إنَّهم يدعمونني، لكنَّهم كانوا دائمًا يُخبرونني أنَّ هناك أشخاص آخرين مرّوا بالتجربة نفسها وقدّموا شكاوى لا تُعَدّ ولا تُحصى... وكنتُ أتساءل: مَنْ هم هؤلاء الآخرون؟". تروي وداد ذلك لصحيفة "El Periódico" من مكتبها الواسع في بيروت، المُزيَّن بصور المفقودين، في مقرّ اللجنة. وتستعيدُ ذاكرتها فتقول: "بدأتُ أبحثُ عنهم، ولم أجد أحدًا في البداية". لكنَّ الراديو فعلَ فعله. في أحد أيّام فصل الخريف، اتّصلت وداد بمحطّة إذاعية لبنانية معروفة، وأطلقت نداءً ليجتمع كلّ أولئك "الآخرين" في مكانٍ محدّد، ليتوحّدوا ويُشكِّلوا سندًا بعضهم لِبعض.

واتّضَحَ أنَّ أولئك "الآخرين" لم يكونوا سوى نساء أخريات. تقول وداد: "في ذلك اللقاء، الذي عُقِدَ بعد شهرَيْن تمامًا من خطف عدنان، حضرت مئات النساء، كثيرات منهنّ برفقة أطفالهنّ"، وتروي ذلك بصوتٍ لا يزال يحمل الانفعال ذاته، والحماس نفسه، على الرّغم من أنَّها قصّت هذه الحكاية مئات المرّات. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقّفْنَ لحظةً واحدة. فهؤلاء النساء ما زلْنَ يبحثْنَ عن أزواجهنّ، أو أبنائهنّ، أو آبائهنّ، أو إخوتهنّ. بعضهنّ، كفردوس، ورثْنَ القضيةَ عن أمّهاتهنّ. وتُضيف حلواني بأسى: "هذا الانتقال يحدثُ بشكلٍ طبيعي، بالرّغم من أنَّنا لم نكن نريده؛ لقد ناضلنا كي لا نُحمِّل هذا العبء لأولادنا وأحفادنا".

الهيئة الوطنية

ومع ذلك، لم تذهب جهودهنّ سدًى. ففي عام 2018، "بعد 36 عامًا من الدموع والاحتجاجات والصرخات"، كما تقول حلواني، أقرَّ مجلس النوّاب اللبناني القانون 105 بشأن المفقودين والمخفيّين قسرًا. وتوضح نور البجّاني، مديرة برامج لبنان في المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي لعبَ دورًا رائدًا في صياغة القانون، قائلةً: "لم يُرسِّخ هذا القانون حقَّ الأهالي في معرفة مصير أقاربهم فحسب، وهو إنجازٌ كبير، بل أنشأ أيضًا الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيّين قسرًا بعد عامَيْن". لكنَّ الأخبار السارّة في بلد الأرز نادرًا ما تدوم. ففي تمّوز/يوليو الماضي، انتهت ولاية الهيئة بدون أيّ نتيجة تُذكَر لعمل أعضائها العشرة.

تُعلِّق حلواني، وهي أحد أعضاء الهيئة، بلهجةٍ نقدية: "لم تكن لدينا الموارد اللازمة: فـالميزانية ضئيلة للغاية، وغير كافية إطلاقًا لحجم المهمّة الموكلة إلينا وأهمّيتها، ولم يكن لدينا مكتب حتّى". ولكنَّ تصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء نوّاف سلام في خطابَيْهما إبّان تولّيهما منصبَيْهما مؤخّرًا - بعد قرابة ثلاث سنوات من الشغور في المركزَيْن - أعادت بعض الأمل إلى هذه الأُسَر، إذ أتى كلٌّ منهما على ذِكر قضية المفقودين. وتُؤكِّد مُؤسِّسة اللجنة: "إذا توافرت الإرادة السياسية، وإذا رغبَ المسؤولون حقًّا في إنجاح عمل هذه الهيئة، فإنَّها ستُنجِز في نهاية المطاف مهمّتها الإنسانية والوطنية".

لم تنتهِ الحرب بالنسبة إلى هذه الأُسَر في عام 1990 مع إبرام اتّفاق الطائف، ولم تنتهِ بقانون العفو العام الذي صدرَ في السنة التالية. في هذا السياق، توضح البجّاني: "كانَ عفوًا غير مشروط، ومُنِحَ هذا العفو للجُناة عن الجرائم التي ارتُكِبَت قبل عام 1991". ربّما سكتت أصوات المدافع ولم تعُد تتردّد على مسامع تلك الأُسَر، لكنَّ العنف لم يتوقّف، ومعه تستمرُّ المعاناة. تقول فردوس: "يسألُنا البعض لماذا نتمسّك بالماضي، كما لو كانَ تاريخًا قديمًا تركناه وراءنا. يُقدِّمون لنا العزاء ويطلبون منّا أن ننسى". تلمعُ عيناها اللوزيّتان ببريقٍ يُحاكي عينَيْ والدِها، وتختتمُ حديثَها قائلةً: "مهما مرَّ من السنوات أو الأيّام، سنُواصِل البحث حتّى نَصِل إلى الحقيقة".

ظهر هذا المقال أول مرة في صحيفة El Periodico الإسبانية بتاريخ 14 آب/أغسطس 2025.

___________
الصورة: إحدى مؤلفات كتاب "طواحين الهوى" تحمل الكتاب خلال جلسة قراءة نُظمت ضمن معرض بيروت الدولي للكتاب في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2023. الكتاب من إنتاج مشترك بين المركز الدولي للعدالة الانتقالية ولجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، ويضم قصصًا قصيرة لخمس عشرة امرأة من أقارب المفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان. (محمد سلمان، المركز الدولي للعدالة الانتقالية)