المدافعون عن حقوق الإنسان من السودان والمنطقة الأوسع يسخرون قوة الأدوات الرقمية مفتوحة المصدر للتحقيق

17/03/2026

عقد المركز الدولي للعدالة الانتقالية مؤخراً ورشة عمل حول التحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر، شارك فيها مدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون ومحامون من ليبيا والسودان وسوريا وتونس واليمن. أُقيمت الورشة في الفترة من 3 إلى 8 نوفمبر/تشرين الثاني في كمبالا، أوغندا، حيث درّبت المشاركين على أدوات مفتوحة المصدر بهدف تعزيز عملهم في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وتوثيقها ورصدها. وقد تعاون المركز الدولي للعدالة الانتقالية تعاوناً وثيقاً مع مركز حقوق الإنسان بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، استناداً إلى دورات مماثلة قدّماها معاً لمدافعين عن حقوق الإنسان من اليمن وليبيا في عامي 2023 و2024.

ركزت ورشة العمل الأخيرة بشكل كبير على مجموعة المشاركين من السودان، حيث أدت الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى تدمير البلاد وخلق أسوأ أزمة إنسانية ونزوح في العالم. وقد تأكدت ظروف المجاعة في منطقتين، وأُعلن عن 20 منطقة أخرى معرضة لخطر المجاعة. في غضون ذلك، ظهرت تقارير عن إبادة جماعية في إقليم دارفور للمرة الثانية خلال عقدين. في هذا السياق المضطرب، تُعد أدوات التحقيق الرقمية مفتوحة المصدر بالغة الأهمية للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمحامين، إذ يسعون جاهدين لتوثيق ما يحدث والحفاظ على أدلة المجازر والعنف الجنسي والنهب وتدمير المدن، لا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

في الأسبوع الذي سبق الدورة، شنت قوات الدعم السريع هجومها الدامي على مدينة الفاشر في دارفور، حيث أكدت صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو التي نشرها الضحايا والجناة على وسائل التواصل الاجتماعي التقاريرَ عن الفظائع التي ارتُكبت داخل المدينة. وقد أثّرت هذه الأحداث بشدة على المشاركين، ومنحت ورشة العمل طابعًا ملحًا. وكجزء من التدريب العملي، قام المشاركون بالتحقيق في قضايا من الفاشر، مستخدمين الأدوات مفتوحة المصدر التي تلقوا التدريب عليها والدروس التي تعلموها خلال الدورة.

أكدت نادية بيلا الأحمد، وهي صحفية من دارفور: "هناك العديد من القصص على أرض الواقع في السودان التي تحتاج حقاً إلى مساعدتنا كمحققين. يجب أن نعمل على هذا الجانب بشكل أساسي، حتى تتحقق العدالة في المستقبل... ومن ثم، يمكن تحقيق النصر للضحايا، ويمكننا أن نكون صوتاً للمهمشين، لمن أُسكتت أصواتهم".

أوضحت ماغي أندرسن، المدربة في مجلس حقوق الإنسان، قائلةً: "يستند التعاون بين مجلس حقوق الإنسان والمركز الدولي للعدالة الانتقالية إلى خبرات كلا المنظمتين لتعزيز تأثير المحققين الميدانيين في المجتمعات المتضررة من النزاعات. إن خريجي برامجنا المشتركة أكثر قدرة على السعي لتحقيق المساءلة وغيرها من سبل العدالة الانتقالية باستخدام منهجيات التحقيق الرقمية، كما أنهم يشاركون معارفهم مع صحفيين ومحامين ونشطاء وأفراد من المجتمع المدني لتوسيع نطاق التأثير".

في إطار هذه الجهود الرامية إلى توسيع نطاق التأثير وربط المحققين في المنطقة، حضر ورشة العمل خريجون ليبيون وتونسيون ويمنيون من دورات عامي 2023 و2024، حيث عملوا كمدربين وميسرين مشاركين إلى جانب خبراء من مجلس حقوق الإنسان. وقد شارك هؤلاء الخريجون تجاربهم في استخدام أدوات التحقيق مفتوحة المصدر، كما ساعدوا المشاركين السودانيين في التحقيق في قضايا من الفاشر. وعلّقت ثريا دماج، وهي صحفية وناشطة يمنية، قائلة: "أنا لا أُدرّس فحسب، بل أتعلم أيضاً. حتى من المشاركين الجدد القادمين من السودان، استفدت منهم كثيراً... شعرت بمسؤولية تجاههم. شعرت حقاً بمسؤولية أن تكون المعلومات التي حصلت عليها أو تعلمتها متاحة للجميع".

رغم أن المنهجيات والأدوات الرقمية مفتوحة المصدر للتحقيقات يمكن أن تُسهم في تعزيز العدالة والمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن التكنولوجيا التي تتطلبها تتطور بسرعة، ما قد يُهمّش المدافعين عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع والذين يعيشون تحت وطأة القمع. وأشارت راضية شرابي، الصحفية الاستقصائية والأستاذة الجامعية التونسية، إلى أن "الوصول إلى الأدوات الرقمية مفتوحة المصدر ومشاركتها مع الآخرين... هذه الأدوات موجودة بالفعل". وأضافت: "لكننا بحاجة إلى نقلها إلى مجتمع المحققين، لكي يتدربوا على استخدامها وتوظيفها في تحقيقاتهم، وفي البحث عن أدلة حول الادعاءات المتداولة في مجتمعاتهم، حتى يتمكنوا من إظهار هذه الحقيقة للعالم".

أوضحت إيما ميريت-كونيو، الخبيرة في المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قائلةً: "تُوسّع أدوات التحقيق الرقمية مفتوحة المصدر بشكل كبير إمكانيات توثيق المعلومات والبيانات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. لكن القرارات المتعلقة بما يتم توثيقه، حتى قبل بدء عملية الانتقال، لا تؤثر فقط على من تتم مقاضاته جنائياً، بل تؤثر أيضاً على ما يتم إثباته من حقيقة، ومن يحصل على برامج التعويضات، وما هي استحقاقات التعويضات المقدمة، وما هي المؤسسات التي يتم إصلاحها".

في ظل استمرار النزاعات والانتهاكات، قد لا يكون من الواضح كيف ستكون بعض هذه البيانات مفيدة في جهود تحقيق العدالة المستقبلية. ومع ذلك، فمن خلال جمع بيانات شاملة حول الجرائم التي وقعت، يستطيع المدافعون عن حقوق الإنسان توسيع نطاق خيارات العدالة، بما يتجاوز المساءلة الجنائية، فضلاً عن المساهمة في صياغة مفهوم العدالة الانتقالية في بلدانهم وضمان أن تكون هذه العمليات محورها الضحايا وذات صلة بواقعهم.

يقف رجل أمام شاشة تعرض خريطة ويشير إليها
شادي هارون من المركز الدولي للعدالة الانتقالية يقود جلسة خلال الورشة في كمبالا. (عبد الرحمن زايد/المركز الدولي للعدالة الانتقالية)

قال روبن كارانزا، كبير خبراء المركز الدولي للعدالة الانتقالية: "يمكن لمهارات التحقيق مفتوحة المصدر أن تساعد في تصميم آليات العدالة الانتقالية، ليس فقط في المحاكم، ولا في لجان تقصي الحقائق فحسب، بل حتى في إحياء الذكرى، أو في مجالات مثل حماية البيئة، وتأمين مصادر الغذاء وسبل العيش الآن وفي المستقبل. من المهم الجمع بين هذه المهارات ومساعدة المشاركين على الاستعداد لمستقبل يسوده السلام والمساءلة".

أتاح التبادل المفتوح للمعرفة والاستراتيجيات للمدافعين عن حقوق الإنسان المشاركين من مختلف البلدان والخلفيات شعوراً بالتضامن والتواصل، ما شكّل استراحة قصيرة من العزلة التي غالباً ما يشعرون بها في هذا المجال. وقد حفّزت التجارب المتنوعة التي تبادلوها نقاشات حول كيفية الاستفادة القصوى من الأدوات الرقمية ومهارات التحقيق التي اكتسبوها خلال الدورة لتعزيز أهداف العدالة المختلفة في بلدانهم.

تطرق المشاركون السودانيون أيضًا إلى الحرب الدائرة، وإرثها العنيف، ومستقبلٍ يسوده السلام والعدل. وأكد المحامي السوداني مزمل بلغالي محمد: "قد تُخلّف هذه الحرب، التي بدأت في 15 أبريل/نيسان [2023]، عددًا كبيرًا من الانتهاكات، مما يُلقي عبئًا ثقيلًا على عاتق المدافعين عن العدالة. لذا، جاءت هذه الدورة في وقتها المناسب... ففي الفترة المقبلة، بإذن الله، إذا حلّ السلام، وإذا تحققت عملية انتقال ديمقراطية، سنتمكن، من خلال المعلومات والمهارات التي اكتسبناها، من توثيق هذه الانتهاكات ورصدها بدقة... وذلك لحفظها وأرشفتها في سجلاتنا إلى حين حلول السلام، ونأمل أن نستخدمها لتعزيز العدالة الانتقالية".

__________
الصورة: عدد من المشاركين يؤدون تمريناً خلال ورشة عمل في كمبالا. (ماغي أندرسن/مجلس حقوق الإنسان)